نزيف الذهب في السودان.. أرقام إنتاج قياسية وتوسع شبكات التهريب

الخرطوم – صقر الجديان
يبرز تناقض حاد في قطاع الذهب السوداني بين عامي 2023 و2025؛ إذ قفز الإنتاج إلى ذروة قياسية بلغت 70.15 طناً رغم ظروف الحرب، إلا أن القنوات الرسمية لم توثق سوى 12.5 طناً فقط كصادرات، مما يكشف عن فجوة هائلة تتجاوز 55 طناً تسربت خارج الاقتصاد الوطني.
وتعكس هذه الأرقام واقعاً يسيطر فيه التعدين التقليدي والأسواق الموازية على أكثر من 80% من النشاط، لتتحول هذه الثروة السيادية إلى وسيلة لتمويل “اقتصاد الظل” عبر حدود غير محروسة، مما يحرم خزينة الدولة من مليارات الدولارات، ويجعل من طفرة الإنتاج مجرد أرقام ورقية لا تلامس الواقع المعيشي.
نزيف مستمر
أقر وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، في أحدث تصريحات نقلتها وكالة “فرانس برس” خلال الساعات الماضية، بأن 20 طناً فقط من الذهب صُدِّرت عبر القنوات الرسمية من إجمالي إنتاج عام 2025 البالغ 70 طناً.
وفي السياق، أكد مصدر في “الشركة السودانية للموارد المعدنية” — طلب حجب اسمه — أن قطاع الذهب شهد تذبذباً حاداً بدأ بتراجع الإنتاج إلى 6.4 طن فقط في عام 2023 (عام اندلاع الحرب)، قبل أن يصل العام الماضي إلى 70 طناً، لم يدخل الخزينة العامة منها سوى 12.5 طن كصادرات رسمية. وكشف المصدر عن وجود شبكات تهريب واسعة كانت تعمل قبل الحرب وتوسعت أعمالها بشكل أكبر مع اندلاع النزاع.
شبكات الظل واقتصاد الحرب
أشار المصدر نفسه إلى أن حجم الذهب المهرب للخارج منذ عام 2023 تجاوز 80% من جملة الإنتاج، لافتاً إلى نشاط ما وصفه بـ “شبكات الظل” واقتصاد الحرب، التي تتمتع بعلاقات مترابطة مع أطراف النزاع. وعزا ارتفاع نسب التهريب إلى غياب الرقابة الحكومية على مناطق الإنتاج والتعدين الأهلي، فضلاً عن دخول الحركات المسلحة في عمليات استخراج المعدن الأصفر دون رقابة أو ضوابط.
غياب التحكم الحكومي
من جانبه، أكد عضو شعبة مصدري الذهب، هيثم تبيدي، لـ “سودان تربيون”، أن أغلب الشركات المنتجة للذهب متوقفة عن العمل حالياً، بينما يعمل بعضها بنصف طاقته الإنتاجية. وأفاد تبيدي بعدم امتلاك الجهات الرسمية لكافة التفاصيل لكون بعض المؤسسات الحيوية — مثل مصفاة الذهب — مغلقة، منوهاً إلى أن جميع الشركات مرتبطة بالمصفاة التي تحصل الدولة عبرها على العوائد.
وأوضح تبيدي أن التعدين الأهلي يستحوذ على نصيب الأسد بإنتاج يمثل 80% من ذهب السودان، لكن الدولة لا تمتلك “سيطرة” فعلية عليه.
وشدد على أن مكافحة التهريب تتطلب سياسات رشيدة وتوفير أسعار مجزية للمنتجين، مع تأمين انسياب الذهب من مناطق الإنتاج إلى الأسواق المركزية، لافتاً إلى أن المساحات الشاسعة والحدود المفتوحة مع دول الجوار تزيد من صعوبة فرض الرقابة.
تفضيل الأسواق المجاورة
تشير متابعات إلى تفضيل التجار والمهربين نقل الذهب الخام إلى مصر، نظراً لغياب الضرائب أو إجراءات المصادرة للكميات الكبيرة.
وأكد الأمين العام للصاغة، عاطف أحمد، في تصريح سابق، أن مصر تستفيد كثيراً من الذهب السوداني المهرب، مشدداً على ضرورة وجود بروتوكولات تجارية لمنع التهريب.
وألقى عاطف باللوم على السياسات الحكومية والبنك المركزي والشركة السودانية للموارد المعدنية، معتبراً أن القرارات المتضاربة والدورة البيروقراطية الطويلة هي التي تدفع المصدرين نحو التهريب.
تضارب الإحصائيات
في المقابل ، يرى مصدر مطلع في قطاع الذهب لـ “سودان تربيون” أن الأرقام المتداولة لعام 2025 تفتقر إلى الدقة، نظراً لغياب الإحصاءات الشاملة واتساع رقعة التعدين الأهلي في تضاريس وعرة.
وأوضح المصدر أن حصر الصادرات يواجه تعقيدات نتيجة تذبذب السياسات الحكومية بين احتكار الدولة للشراء ثم فكه لاحقاً.
ووفقاً لذات المصدر، فإن تقديرات الـ 70 طناً تعد “متحفظة”، مرجحاً أن الإنتاج الحقيقي يقترب من 100 طن، يساهم التعدين الأهلي بنسبة 90% منها، فيما قدّر الكميات المصدرة رسمياً بنحو 50 طناً.
وأشار إلى تراجع وتيرة التهريب مؤخراً بفضل السياسات السعرية المحفزة التي انتهجتها مصفاة السودان للذهب.
تقارير دولية
تشير تقارير فنية إلى أن ما بين 48% و60% من الذهب المنتج يهرب عبر الحدود البرية والمطارات غير الخاضعة للرقابة.
وكشف تقرير منظمة (Swissaid 2025) عن تورط شبكات دولية وإقليمية في استنزاف الذهب السوداني، موثقاً زيادة بنسبة 70% في تدفقات الذهب غير الرسمي من السودان إلى الإمارات خلال عام 2024 وحده.
كما أشار التقرير إلى تحول دول جوار مثل جنوب السودان، وتشاد، وإثيوبيا إلى “منصات عبور” لإعادة تصدير الذهب السوداني وتغيير منشئه قبل وصوله إلى الأسواق العالمية، مما يجعل المعدن الأصفر وقوداً رئيساً لاستمرار النزاع المسلح.




