التوافق بين الجيش والمدنيين في السودان لا ينهي الأزمة السياسية
أحزاب المجلس المركزي أمام تحول ديمقراطي جديد بمساندة عسكرية.
الخرطوم – صقر الجديان
وقّع الجيش وأحزاب سياسية في السودان الاثنين اتفاقا إطاريا ينص على تدشين مرحلة انتقال سياسي يقودها مدنيون لعامين وتنتهي بإجراء انتخابات، ويهدف إلى إنهاء الأزمة السياسية بعد انقلاب أكتوبر 2021، لكن الاتفاق يواجه بالفعل معارضة من جماعات الاحتجاج المناهضة للجيش وأحزاب سياسية لم تنخرط فيه.
وقع الشق العسكري في مجلس السيادة الانتقالي الحاكم في السودان وقوى إعلان الحرية والتغيير – المجلس المركزي ومجموعات متحالفة الاثنين على اتفاق إطاري لإنهاء الأزمة السياسية ومحاولة إعادة البلاد إلى الحكم المدني، وسط حضور دولي وإقليمي كبير لأطراف أسهمت بقوة في التوصل إلى الاتفاق الجديد.
وشارك في مراسم التوقيع الآلية الثلاثية الدولية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وهيئة إيغاد، والآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات، فضلا عن ممثلين من الاتحاد الأوروبي والبعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى الخرطوم، وسط حضور لعدد كبير من الأحزاب السياسية التي اتخذت موقفًا داعمًا لعملية الانتقال السياسي في البلاد.
وفي حال نجحت القوى الموقعة على الاتفاق الإطاري في إنزال بنوده على الأرض، وعلى رأسها تشكيل سلطة كاملة دون مشاركة القوات النظامية التي منحت تمثيلا في مجلس للأمن والدفاع يرأسه رئيس الوزراء المدني، فإن القوى السياسية سوف تكون قد عادت إلى السلطة للمرة الثانية بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير.
نبيل أديب: الاتفاق الإطاري هو تمهيد لإنهاء المرحلة الانتقالية
وينظر سودانيون راقبوا عملية التوقيع بحذر إذا كان المكون المدني سيكون قادراً على تجاوز العراقيل التي تعترض عملية التحول الديمقراطي والوصول إلى مرحلة إجراء الانتخابات أم أن التجربة الأولى الفاشلة قابلة للتكرار بعد أن أخفق المكونان المدني والعسكري في الحفاظ على سلامة المرحلة الانتقالية وانتهى الأمر بانقلاب قائد الجيش عبدالفتاح البرهان على السلطة وعرقلة تنفيذ بنود الوثيقة الدستورية.
وتعول الأحزاب المشاركة في المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، وهي: حزب الأمة القومي، والمؤتمر السوداني، والحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل – جناح الحسن الميرغني، والمؤتمر الشعبي وبعض الحركات المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية، على قدرتها على تصويب الأخطاء التي وقع فيها المدنيون خلال تواجدهم على رأس الحكومة المدنية، ما أفرز غضبا شعبيا استبق الانقلاب على السلطة.
وترى هذه الأحزاب أن الفرصة مواتية للمضي قدما نحو إجراء الانتخابات وإثبات أن السودان قادر على أن يشهد تحولاً ديمقراطيًا يضع المدنيين على رأس السلطة.
ورفضت قوى مدنية عديدة وجود العسكريين على رأس السلطة قبل إجراء الانتخابات لضمان نزاهتها، ولديها قناعة بأن الاعتماد على حكومة من التكنوقراط يتيح الفرصة للسياسيين لإعادة ترتيب أوراقهم مرة أخرى.
وحدد الاتفاق الإطاري الفترة الانتقالية بعامين منذ لحظة تعيين رئيس جديد للحكومة من قبل قوى الثورة الموقعة على اتفاق نص على أن رئيس الدولة سيكون القائد العام للجيش، مع توسيع صلاحيات رئيس الوزراء خلال الفترة الانتقالية.
وأشار الاتفاق إلى إطلاق عملية شاملة لصياغة الدستور، وتنظيم عملية انتخابية شاملة مع نهاية الفترة الانتقالية وتكون ذات مصداقية وشفافية وتتمتع بالنزاهة.
وتطرق إلى قضية الإصلاح الأمني والعسكري الذي يقود إلى جيش مهني وقومي واحد يحمي حدود البلاد والحكم المدني الديمقراطي وينأى بنفسه عن السياسة، إلى جانب إصلاح جميع الأجهزة النظامية وتحديد مهامها، وإزالة تمكين نظام الرئيس السابق عمر البشير وتفكيكه في مؤسسات الدولة واسترداد الأموال والأصول المتحصل عليها بطرق غير مشروعة، ومراجعة القرارات التي بموجبها تم إلغاء قرارات لجنة إزالة التمكين.
وقال المحامي ورئيس اللجنة المستقلة للتحقيق في أحداث فض الاعتصام نبيل أديب إن ما جاء في الاتفاق متفق عليه بين القوى المدنية، والمشكلة الرئيسية تكمن في التفاصيل، وما حدث في قاعة الصداقة الاثنين يفتح الباب أمام جلوس القوى المدنية سويًا للحوار بشأن تنفيذ الترتيبات الدستورية واستكمال هياكل السلطة، وفي حال فشلت ستواجه المزيد من الخسائر على المستويين السياسي والشعبي.
وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن نجاح الحوار يتطلب الابتعاد عن “الفهلوة السياسية” وأي محاولة من المكونات المدنية الموقعة على الاتفاق أو التي قد تنضم إليه لاحقا للانفراد بالسلطة تؤدي إلى خسائر فادحة، وأن الوصول إلى مرحلة التوقيع على الاتفاق النهائي يتطلب التوافق بين أكبر عدد من القوى المدنية.
ويرى أديب أن التوقيع على الاتفاق الإطاري هو تمهيد لإنهاء المرحلة الانتقالية، وتفعيله بحاجة إلى اتفاق أوسع بين القوى المدنية والعسكريين، خاصة أن فرص حدوث انتكاسة سياسية واردة في ظل وجود قوى متربصة تعمل على إفشال المرحلة الانتقالية، ولا توجد ضمانات للنجاح سوى توحد المواطنين خلف الاتفاق.
الشفيع أديب: الأحزاب الموقعة على الاتفاق لا تحظى بتوافق شعبي
ويراهن المكون المدني على استعادة الدعم الاقتصادي الدولي كمحفز رئيسي لتشكيل حكومة تكنوقراط والتوافق على اسم رئيس مجلس السيادة الذي سيكون بمثابة رئيس الدولة، وهناك حاجة ملحة إلى هذا الدعم لوقف التدهور، ما يمنح الاتفاق مشروعية شعبية تقوض الاعتراض عليه من جانب قوى مدنية أخرى رافضة له، وفي القلب منها لجان المقاومة والحزب الشيوعي والكتلة الوطنية بقوى الحرية والتغيير.
وذكر المحلل السياسي الشفيع أديب لـ”العرب” أن المعضلة التي تجابه الأحزاب الموقعة على الاتفاق الإطاري تكمن في أنها لا تحظى بتوافق شعبي، ولا توجد ضمانات لالتزام المكون العسكري بما جاء فيه، في وقت تفاقمت فيه الأزمات الاقتصادية على نحو أكبر مما كانت عليه عقب الإطاحة بالبشير.
وكل ذلك يجعل الأحزاب المدنية تواجه حالة من الاختناق تحاصرها من اتجاهات متباينة في ظل ملامح عودة فلول البشير إلى بعض الوزارات والهيئات الحكومية مرة أخرى، ما يخلق معوقا يؤثر على الأجواء العامة.
ولفت الشفيع أديب إلى أن نجاح المكون المدني في تثبيت أركان المرحلة الانتقالية يتطلب تعاوناً حقيقيا من الجسم العسكري، وفي حال توافرت الإرادة السياسية لدى الجيش لنجاح المدنيين فذلك يساعد الحكومة على تجاوز الأزمات، وأن الحاجة إلى المساعدات الخارجية تمثل ضغطا يدفع إلى تعزيز التعاون بين المدنيين والعسكريين.
ورحبت الولايات المتحدة وشركاؤها بالاتفاق الإطاري للانتقال السياسي، وحثت الرباعية الدولية جميع الأطراف على بذل جهود للانتهاء من المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة مدنية.
وأوضحت في بيان مشترك أن “هذا هو العامل الرئيسي لاستئناف مساعدات التنمية الدولية وتعميق التعاون بين حكومة السودان والشركاء الدوليين”، مضيفة “نحن نعمل مع الشركاء لتوفير دعم اقتصادي كبير لحكومة انتقالية بقيادة مدنية للمساعدة في التصدي للتحديات التي تواجه شعب السودان”.
إقرأ المزيد