الصيد الجائر والتغيرات المناخية يهددان مستقبل صيد السمك في السودان
الصيادون يبحثون عن مصدر رزق جديد بعيدا عن القوارب والشباك.
الخرطوم – صقر الجديان
لا يشكّل صيد الأسماك في السودان نسبة كبيرة من ناتجه المحلي الإجمالي إلا أنه يوفر الوظائف ويعدّ مصدرا رئيسيا لتغذية نحو 46 مليون نسمة، وقد أصبح السمك في نهر النيل شحيحا بسبب عدة عوامل منها الصيد الجائر والتغييرات المناخية، ما دفع الصيادين السودانيين إلى البحث عن مهن أخرى لتوفير رزقهم.
صطاد النميري موسى محمد في نهر النيل في السودان منذ خمسة وعشرين عاما، لكنه أصبح قلقا بشأن المستقبل مع تراجع الصيد وبحث الصيادين عن مصادر دخل أخرى.
وقال الصياد البالغ من العمر 45 عاما وهو يقف على ضفة نهر النيل شمال سوق السمك في أم درمان “أعرف العديد من الأشخاص الذين تركوا المهنة بسبب نقص الأسماك.. سافر بعضهم إلى أماكن أخرى بحثا عن عمل”.
وتوجه إلى سوق “الموردة” الذي يعدّ أكبر سوق للأسماك في أم درمان، مؤكدا أنه أصبح يصطاد حوالي ربع الكمية التي اعتاد عليها.
وأضاف “اصطدت حوالي 60 كيلوغراما من الأسماك آخر مرة خرجت فيها إلى النهر، لكن الكمية يمكن أن تنزل إلى 10 كيلوغرامات أحيانا”.
وأظهرت الدراسات تراجع المخزون السمكي في النهر. ويرى الباحثون أن ذلك يرجع إلى ارتفاع درجات الحرارة بسبب تغير المناخ، والصيد الجائر، والافتقار إلى لوائح الدولة التنظيمية.
وبينما تشير دراسات الأمم المتحدة إلى أن صيد الأسماك في السودان لا يشكل نسبة كبيرة من ناتجه المحلي الإجمالي، إلا أنه يوفر الوظائف ويعدّ مصدرا رئيسيا لتغذية نحو 46 مليون نسمة.
ويخشى الصيادون السودانيون مثل محمد، والأكاديميون من اختفاء بعض الأنواع تماما من نهر النيل مع تراجع أعداد الأسماك، بينما يهدد تغير المناخ والطقس القاسي الأمن الغذائي في جميع أنحاء العالم.
وارتبط انخفاض توفّر الأسماك في السودان بانفصال جنوب البلاد في 2011، حيث فقد الشمال إمكانية الوصول إلى مواقع الصيد الرئيسية والمسطحات المائية الداخلية الكبيرة.
لكن البحث الذي أجراه معهد الدراسات البيئية بجامعة الخرطوم في 2020 وجد أن ارتفاع درجات الحرارة السنوية على مدى العقدين الماضيين، أدى إلى انخفاض في عدد الأسماك وأنواعها في نظام النيل البيئي ككل.
وسجّل صيد الأسماك ذروة عند 87 ألف طن في 2012، ثم انخفضت الأرقام بشكل حاد بين 2014 و2020، ولم تعد تتجاوز 42 ألف طن سنويا، وفقا لإحصاءات وزارة الثروة الحيوانية والسمكية السودانية.
وقالت الأستاذة المتخصصة في أسماك النيل بجامعة الخرطوم العقبة الحاج علي محمد، إن الخسائر المحلية في أنواع الأسماك الرئيسية وتراجع المصيد الإجمالي “يشيران إلى تأثير تغير المناخ”.
وأضافت أن ذلك يمثل تهديدا للأمن الغذائي وللوظائف والاقتصاد الوطني، مؤكدة إمكانات نهر النيل الإنتاجية الهائلة.
ويثير تهديد الأمن الغذائي القلق، بينما تعاني البلاد بالفعل من أزمات إنسانية معقدة مرتبطة بتفاقم حالات الجفاف وارتفاع أسعار المواد الغذائية وتجدد النزاعات القبلية وتفشي الأمراض مثل حمى الضنك والملاريا.
وتعتمد صناعة صيد الأسماك في السودان أساسا على المعدات التقليدية، بما في ذلك الرماح والفخاخ والشباك والصنارات. وينتشر الصيادون بشكل كبير على نهر النيل وروافده والسهول الفيضية الموسمية وعدد قليل من البحيرات الاصطناعية.
وكانت أسماك البياض النيلي والبلطي والقرموط الفضي من بين الكميات المعتادة التي تتوفر في سوق الموردة.
وعمل ما لا يقل عن 13600 شخص في السودان في الصيد الداخلي اعتبارا من 2017، حسب أحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “الفاو”. ولا يشمل هذا العدد شاغلي الوظائف المرتبطة كبائعي السوق وصنّاع القوارب.
ارتفاع درجات الحرارة السنوية على مدى العقدين الماضيين أدى إلى انخفاض في عدد الأسماك وأنواعها في النيل
وقال الصياد محمد قسم السيد البالغ من العمر 64 عاما، إن الأسماك مثل الشبوط الأفريقي قد اختفت منذ أن بدأ الصيد في الثمانينات.
وأضاف أن “حجم السمك تغير أيضا. كان بإمكاني صيد سمكة يصل وزنها إلى خمسة كيلوغرامات. وأصطاد الآن سمكا يزن أقل من كيلوغرام”.
وقال إن السنوات الثلاث الماضية كانت صعبة على الصيادين بسبب ارتفاع منسوب المياه. وسجّل النيل الأزرق (أحد روافد النيل الرئيسية المعرضة للفيضانات) مستويات مياه قياسية في 2020، كانت أعلى بعدة أمتار من متوسط مستوى الفيضان.
ويرى الباحثون أن ذلك نتيجة لهطول الأمطار الغزيرة والتوسع الحضري السريع حول النهر الذي يؤدي إلى المزيد من الجريان السطحي.
ويتساءل العديد من الصيادين السودانيين عما يعتبرونه عدم تطبيق الحكومة لقوانين وقف الصيد غير المصرح به. وسلطوا الضوء على انتهاكات اللوائح، مثل استخدام الأفراد غير المرخص لهم شباكا رفيعة تحبس الأسماك الصغيرة قبل أن تنضج، مما يضر بأنواعها.
وقال مدير المكتب الفني للمصايد في الخرطوم محمد إبراهيم إن للحكومة خططا لحماية الصناعة بشكل أفضل والتصدي للصيد الجائر، مضيفا أن ذلك يشمل الجهود المبذولة لجعل الصيد أكثر إنتاجية واستدامة وتوفير التدريب والدعم الفني ومراجعة قوانين الصيد.
وقال المدير العام لمنظمة وورلد فيش البحثية عصام ياسين محمد إن أحد التحديات الرئيسية التي تواجه الدول الأفريقية يكمن في غياب بيانات حول كيفية مساهمة الصيد غير الرسمي في القوة العاملة والاقتصاد.
واعتبر أن هذا يسبب فشل صانعي السياسات في صياغة التحسينات المناسبة، مضيفا أن “إعداد إدارة مصايد الأسماك لمواجهة آثار تغير المناخ يتطلب استثمارات كبيرة وإصلاحات في السياسة. ولا يمكن أن يحدث هذا دون فهم جيد للقطاع”.
وحددت التقديرات زيادة موجات الحرارة البحرية بأكثر من 50 في المئة خلال الثلاثين عاما الماضية، بالإضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة على المدى الطويل على مستوى العالم، وفقا لمقال نشرته دورية نيتشر العلمية في 2019.
وتوقع أن موجات الحرارة ستتكرر بكثافة عالية ولفترات أطول، مما سيشكل تهديدا كبيرا للتنوع البيولوجي والنظم البيئية ويخلق تأثيرات غير مباشرة على صيد الأسماك.
وتنتشر هذه المخاوف في السودان مع عدم ثقة العديد من الصيادين في مستقبلهم.
وقال الصياد عباس محمد إدريس، البالغ من العمر 55 عاما، الذي عمل في نهر النيل منذ 30 عاما، إنه ورفاقه اعتادوا على صيد كميات أكبر بكثير حتى تكاد قواربهم تغرق من وزنها. وأشار بأسف إلى أن هذا الحال لم يعد كما كان