أخبار السياسة المحلية

القاهرة تقصف والبرهان يصمت .. من يحمي السودانيين؟

دماء المعدّنين في ميزان التحالفات

الخرطوم – صقر الجديان

أسفرت الغارة الجوية التي نفذها سلاح الجو المصري السبت الماضي في منطقة شمال الوادي التي تقع داخل الأراضي السودانية على حدود مصر، عن مقتل العشرات من المعدنين السودانيين، وحملت منظمة محامو الطوارئ الحكومة المصرية مسؤولية الحادث بينما أكتفت ” سلطة بورتسودان” بإصدار بيان مرتبك أكدت فيه فتح تحقيق لمعرفة ملابسات الحادث، فيما وصف أمجد فريد مستشار الجنرال البرهان، القصف بأنه جرم غير مبرر وغير مقبول، مشيرا إلى إمكان معالجة التجاوزات الحدودية دون طيران حربي، لكن موقفه لم يتحول إلى احتجاج رسمي معلن أو مسار واضح للمساءلة.

وأدان التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” الهجوم وحمّل التحالف قيادة السلطات المعيّنة بواسطة القوات المسلحة مسؤولية ما يحدث في هذه المناطق الخاضعة لسيطرتها، مبيناً أن استهداف المدنيين وتعريض حياتهم للخطر أمر مرفوض، ولا تبرره أي ذرائع أمنية.

وطالب التحالف “سلطة بورتسودان” بألا تلوذ بالصمت كما فعلت إزاء الغارات السابقة، وأن تعلن موقفاً واضحاً مما جرى، خصوصاً أنها تكثر من ترديد شعارات السيادة وتجعل منها مبرراً لإطالة أمد الحرب التي تفتك بأهل السودان.

ودعا تحالف صمود لإجراء تحقيق عاجل ومستقل في هذه الغارات، واتخاذ إجراءات لحماية المعدّنين وتوفير الإسعاف والمساعدات للمتضررين، وضمان عدم تكرار التعديات.

موقع الحادثة

وأوضحت صحيفة “نيويورك تايمز” أن المنجم المستهدف يقع في ولاية البحر الأحمر السودانية، على بعد نحو 25 ميلاً من الحدود مع مصر، أي قرابة 40 كيلومتراً داخل الأراضي السودانية.

وأوردت قناة ” الحرة” في تغطيتها للحادثة تقديراً يضع جبل العقيدات على عمق نحو 20 كيلومتراً داخل السودان؛ أما مسافة الأربعين كيلومتراً فترد هنا منسوبة إلى تحديد الصحيفة الأمريكية للموقع ، بما يبقي سؤال السيادة وحماية المدنيين في صلب القضية.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن ناجين أن آلاف المعدّنين كانوا يعملون في الموقع، وأحصت منظمة “محامو الطوارئ” 72 قتيلاً بحسب معلومات أولية، فيما تحدث شهود عن أكثر من 60 قتيلاً ونحو 150 جريحاً فيما وقدر ناجون لـصحيفة “سودان تريبيون” القتلى بما لا يقل عن 200، مع فرار أكثر من 15 ألف عامل، بينما سجلت شبكة أطباء السودان حصيلة أولية بلغت 13 قتيلاً و28 جريحاً، محذرة من ارتفاعها.

قصف مبرر

وبحسب ” رويترز” فإن المسؤولين الأمنيين في الجانب المصري لم ينفيا العملية، بل برراها بإنهاء ما وصفاه بالفوضى الحدودية ومنع مجموعات مصرية وسودانية من السيطرة على مناطق التعدين فيما أعلن المتحدث العسكري المصري استمرار المرحلة الثالثة من الحملة، مشيراً إلى إلقاء منشورات تحذيرية على من وصفهم بالعناصر الإجرامية. لكن البيان وضع العمليات داخل الأراضي المصرية، ولم يتضمن إقراراً صريحا بتنفيذ غارة داخل السودان أو بمقتل المعدّنين.

هكذا تملك القاهرة تبريراً عسكرياً لقصف موقع سوداني، بينما تعجز “سلطة بورتسودان” عن إصدار إدانة صريحة للطرف الذي تتهمه المنظمات الحقوقية بقتل مواطنيها، والمفارقة أن الدولة التي يفترض أن تطالب بحق الضحايا بدت أشد حرصاً على العلاقة مع القاهرة من حرصها على تسمية المسؤول عن دمائهم.

كان السودانيون ينتظرون من قائد جيشهم الدفاع عن دمهم، فسمعوه يطالبهم بمراعاة حدود الجار المتهم بقصفهم، مع تعزية في الحادث الأليم، ولجنة تقص، وتأكيد أن قيادتي البلدين على تواصل.

هجوم لم يكن الأول

الحادثة لم تكن الأولى فقد استهدف الطيران المصري المنطقة في 16 يونيو الماضي وتحدثت وكالة الصحافة الفرنسية عن 23 قتيلاً، فيما قدرت منصات سودانية الحصيلة بنحو مئة. وبحسب الشهادات الواردة، امتدت العمليات إلى جبل العقيدات والجبل الأحمر ومحيط سوق الأنصاري، وشملت غارات بمقاتلات ومسيّرات أعقبها توغل بري. ونقلت منظمة “مناصرة ضحايا دارفور” عن شهود أن قوة مصرية تضم نحو 60 عربة مسلحة حاصرت المعدّنين واعتقلت مدنيين تعرض بعضهم للضرب.

الثروة والقوة

تقع العقيدات التي شهدت الحادثة، ضمن حزام الدرع النوبي الغني بالذهب، وقدر معهد “تشاتام هاوس” أن نحو 60% من إنتاج الذهب في الولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر يُهرّب إلى مصر، بكميات تتجاوز مئة كيلوغرام يومياً، وبما يزيد على ستين طناً منذ اندلاع الحرب حتى نهاية 2024.

وفي المقابل، لم تتجاوز صادرات الذهب الرسمية إلى مصر خلال 2024 نحو 16 مليون دولار، أي قرابة 1% من إجمالي صادرات السودان من الذهب، وفق بيانات بنك السودان المركزي.

وأفاد معدّنون لـ”سودان تريبيون” برصد آليات حفر وشاحنات تنقل الصخور عبر الحدود إلى مصر، وبأن دورية مصرية سبق أن حذرتهم من الاقتراب من موقع قالت إنه يقع داخل الأراضي المصرية.

تحالف هش

وبدا واضحاً أن ” سلطة بورتسودان” وعلى رأسها البرهان مجبرة على هذا الصمت، فالقاهرة تدعم قائد الجيش السوداني، وتعد الحرب على حدودها تهديداً لأمنها، وقد تحققت وكالة الصحافة الفرنسية من صور أقمار صناعية أظهرت وجوداً متكرراً لمسيّرات “بيرقدار” التركية في قاعدة مصرية قرب السودان، فيما تحدثت تقارير عن تسهيل تسليم مسيّرات للجيش السوداني وتدريب أطقم له داخل مصر، إلى جانب تعاون عسكري واستخباراتي أوسع، ورأى تحليل نشره “هورن ريفيو” في يونيو الماضي أن صمت الجيش تجاه الغارات يرتبط بالدعم المصري له.

على أن هذه العلاقة لا تعفي البرهان من مسؤوليته بل تضاعفها، فمن يستند إلى دعم دولة أخرى في حربه لا يملك أن يجعل حماية مواطنيه بنداً قابلاً للمساومة، ولا يجوز أن يتحول احتياجه إلى السلاح والمساندة السياسية إلى حصانة يمنحها للقاهرة على حساب دم السودانيين.

حلايب وشلاتين

تعيد الغارات فتح جرح حلايب وشلاتين، المثلث المتنازع عليه والخاضع للسيطرة المصرية، وتؤكد الخرائط الإدارية السودانية وقوع مواقع التعدين المستهدفة داخل السودان، فيما تتعامل القاهرة معها ضمن امتداد المنطقة الحدودية المتاخمة للمثلث..

اليوم، مصر مطالبة بالإجابة عن القصف وسقوط المدنيين، لا بالاكتفاء بتصنيفهم عناصر إجرامية وتقديم المبررات الأمنية، والبرهان مطالب بإعلان نتائج التحقيق، وتحديد المسؤولية، والمطالبة بالتعويض والمحاسبة، واتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والقانونية اللازمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى