أخبار السياسة المحلية

بعد هزائم كردفان.. «الدعم السريع» تلجأ للإدارة الأهلية لتعويض النزيف البشري

نيالا – صقر الجديان 

يمثل اتجاه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) نحو التعبئة والاستنفار القبلي المباشر في دارفور بعد دحر قواته من شمال كردفان تحولاً استراتيجياً ينطوي على دلالات ميدانية وسياسية جديدة.

وأعلن حميدتي، في خطاب نهاية الأسبوع الماضي، استنفار قواته لتحرير الخرطوم وتجميع المقاتلين وإطلاق ما وصفه بـ”الرسن” للقوات في كردفان.
ويرتبط مصطلح الرسن حصراً بالسياق السياسي والعسكري في السودان وخاصة في غرب البلاد، ويعني فك حبل الدابة، ما يعني مجازاً إطلاق بعض التشكيلات والمجموعات الأهلية العشائرية، وهو كشعار يعبر عن رفع الاستعداد القتالي والتعبئة للالتحاق بالمحاور القتالية.

تحول اضطراري وأزمة تمويل

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي عبد العال بشارة، أن لجوء حميدتي للتعبئة والتحشيد القبلي عقب هزائم كردفان يُعد تحولاً استراتيجياً اضطرارياً.

ويعتقد بشارة أن ذلك يهدف إلى التغطية على الانكفاء الميداني والنزيف البشري الحاد في صفوف قواته، بعد أن فقدت هذه القوات المبادرة الميدانية وتراجعت خطوط إمدادها الحيوية بين دارفور والعاصمة.
ويوضح أن التراجع عن استجابة واستجلاب المرتزقة الأجانب يعود بالأساس إلى أزمة تمويل وتجفيف للسيولة بالعملات الصعبة والذهب، إذ إن المرتزقة عابري الحدود يتطلبون ميزانيات ضخمة ومستمرة، وهو ما بات يتعذر توفيره في ظل تضييق الخناق على منابع التمويل وخطوط التهريب، مما جعل العشائر المحلية الخيار الأقل كلفة مالية لتغطية العجز العددي.

ويضيف الخبير العسكري أن هذا التحول يستهدف أيضاً الهروب من التبعات القانونية والمخاوف الأمنية الناتجة عن التقارير الأممية والدولية، لجهة أن توثيق مشاركة المرتزقة الأجانب يضع قيادة الدعم السريع تحت مجهر العقوبات الدولية الصارمة والملاحقات الجنائية، مما دفعها لمحاولة إضفاء طابع الحراك الشعبي الداخلي عبر استغلال الإدارة الأهلية للتعمية على الانتهاكات والتجاوزات.

ويخلص بشارة إلى أن الرهان على المقاتلين القبليين لن يحقق تفوقاً عملياتياً أو مكاسب استراتيجية مستدامة على الأرض، لكونهم يفتقرون للتدريب والانضباط العسكري لمواجهة القوات النظامية، فضلاً عن أن زج القبائل في محرقة الصراع يهدد بجر المنطقة إلى حرب أهلية شاملة تُجهز على ما تبقى من نسيج اجتماعي.

استجابة لافتة وتعبئة عشائرية

وأعلنت مجموعة من القبائل في دارفور الاستجابة لنداء استنفار حميدتي، وكان لافتاً استجابة مجموعة من أبناء قبيلة الفور للنداء.

ووفقاً للبيانات والتصريحات الإعلامية المنسوبة لقيادة قوات الدعم السريع وموقع تلك القوات على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الشرتاي إبراهيم عبد الله محمد، أحد أبرز قيادات الإدارة الأهلية لقبيلة الفور في جنوب دارفور، أعلن مشاركة قبيلته بـ 4 ألوية قتالية من أبناء قبيلة “الفور” استجابة لنداء الاستنفار وتعهدها بتبعية القيادة للمجلس الرئاسي لقوات الدعم السريع، تحت شعار “فك الرسن”.

وتجدر الإشارة إلى أن قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” كان قد زار الشرتاي إبراهيم في منزله بمدينة نيالا في أواخر يونيو الماضي.

وفي المقابل، أعلن وفد أهلي من القبائل العربية في غرب ووسط دارفور بداية الأسبوع إعداد قوة من 11 كتيبة لمحاور القتال.

أيضاً أعلنت حكومة وسط دارفور الاستنفار والدفع بـ 10,000 مقاتل لقيادة الدعم السريع.
كما أعلنت قبيلة البني هلبة الدفع بـ 1000 مقاتل بقيادة العميد موسى السميح قاسي لمحاور القتال، وهو قائد قبلي عمل سابقا مع متمردي جمهورية افريقيا الوسطي قبل عودته لدارفور.

خسائر كردفان وانحسار القدرات

وتشهد الساحة الميدانية في السودان تحولات متسارعة أزاحت الستار عن واقع ميداني جديد، حيث تراجعت القدرات الهجومية لقوات الدعم السريع عقب سلسلة من التراجعات والخسائر المتتالية في إقليم كردفان ومحاور استراتيجية أخرى.

ولم تكن تلك الانكفاءات مجرد خسارة لرقاع جغرافية، بل كانت ضربة هيكلية أضعفت خطوط الإمداد وشلّت التحركات التكتيكية، مما دفع قيادة هذه القوات إلى إطلاق حراك مكثف لاستنفار الحواضن العشائرية والإدارة الأهلية لتعويض النزيف البشري المستمر.
وتعتبر كردفان بمحاورها المختلفة الشريان الرابط بين دارفور والعاصمة الخرطوم.

وقد تلقت قوات الدعم السريع ضربات موجعة أدّت إلى تراجعها في عدة نقاط حاكمة، واستعادة القوات المسلحة والقوات المساندة لها زمام المبادرة.

هذا التحول وضع قيادة الدعم السريع أمام مأزق عملياتي يهدد بعزل قواتها المتواجدة في محاور الوسط.

وفي هذا الصدد، يرى المحلل العسكري المقدم (م) عمر عبد الهادي، أن الانكسارات الأخيرة في كردفان لم تكن محض تراجع عابر، بل كشفت عن استنزاف واسع في العتاد والعنصر البشري المقاتل.

ويضيف عبد الهادي أن فقدان المواقع الحاكمة في كردفان قطع خطوط الإمداد السريع والتحشيد المباشر، مما أفقد هذه القوات مرونتها الميدانية المعهودة، وجعل من الصعب عليها شن هجمات واسعة النطاق دون إعادة بناء القوة البشرية من جديد عبر الاستعانة المباشرة بالقبائل.

أموال الشارع العشائري ومخاطر التفكك

وفي ظل تراجع الاستجابة الطوعية وتزايد الكلفة البشرية للحرب، أصبحت خيارات التحشيد أكثر تعقيداً.

ويكشف مصدر مطلع في قوات الدعم السريع على تحركات الإدارة الأهلية في دارفور وكردفان أن عملية الاستنفار القبلي الأخيرة لم تعد تعتمد على الولاءات التاريخية وحدها، بل اقترنت بدفقات مالية ضخمة وإغراءات بالعتاد والسلاح.
وأكد المصدر أن قيادات نافذة في الدعم السريع عقدت اجتماعات مغلقة مع أعيان ورموز عشائرية، وتم تقديم مبالغ مالية كبيرة تحت مسمى “دعم اللجان الأهلية وتأمين المناطق”، مقابل التعهد بدفع أعداد محددة من الشباب والمقاتلين إلى الجبهات.
وفي سياق متصل، تطرق أستاذ العلوم السياسية في الجامعات السودانية، د. محمد إدريس، إلى خطورة التحول نحو الاستنفار القبلي المباشر بقيادة حميدتي، مؤكداً أن الاستعانة بالحواضن الاجتماعية تعكس انحسار قدرة المنظومة على التجنيد العسكري المنتظم.

وقال إدريس إن لجوء الدعم السريع المكثف للإدارة الأهلية وحشد القبائل يُعد مؤشراً واضحاً على عمق أزمة العنصر البشري لديه.

واعتبر في ذات الوقت أن هذه الخطوة تحمل مخاطر جمة، لجهة أن تسليح العشائر وتحويل الصراع السياسي والعسكري إلى مواجهة قبيلة مظللة بأسماء العشائر يهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي للإقليم ويدفع المنطقة نحو حرب أهلية شاملة لا تبقي ولا تذر.

حدود النجاح والواقع الميداني

وبشأن مدى قدرة هذا التحشيد القبلي على تغيير قواعد اللعبة الميدانية وتمكين الدعم السريع من استعادة المناطق التي فقدتها، رأى الخبير السياسي والعسكري العميد (م) حافظ محمد أحمد عبد النبي أن فرص نجاح هذا الاستنفار في صناعة تحول ميداني حقيقي تبقى محدودة للغاية لعدة أسباب.

وفي مقدمة تلك الأسباب، غياب التدريب العسكري الاحترافي، حيث يفتقر المقاتلون القبليون والشباب المستنفرون للتدريب العملياتي والتكتيكي اللازم لمواجهة القوات النظامية التي تعتمد على التنسيق بين المشاة والمدفعية والطيران.

ورأى حافظ أن تزايد الوعي لدى المجتمعات المحلية بتبعات المشاركة في الحرب جعل التجاوب مع دعوات التحشيد يتسم بالضعف والتردد مقارنة بالبدايات.

ولفت إلى نتائج أخرى من الناحية العسكرية، بداية بضعف القيادة والسيطرة، حيث إن إقحام مجموعات غير متجانسة تحت مسميات ألوية وكتائب متعددة يضعف من وحدة الأمر والسيطرة داخل الميدان، مما يجعل هذه القوات عرضة للشتات عند أول مواجهة حاسمة.

وخلص حافظ إلى أن الإعلانات المتكررة عن دفع آلاف المقاتلين الأهليين تندرج في غالبها ضمن الحرب النفسية والإعلامية للتغطية على الانكسارات الميدانية، بينما يُظهر الواقع الميداني تعقيداً كبيراً يجعل من الصعب تحويل التعبئة العشائرية إلى مكاسب استراتيجية مستدامة على الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى