الخرطوم – صقر الجديان
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، أصبحت نساء السودان أهدافًا للعنف الممنهج، حيث تتعرض آلاف النساء والفتيات لانتهاكات جسيمة تشمل الاغتصاب، والاختطاف، والتعذيب، والاستعباد.
ليس الألم جسديًا فقط، بل يمتد ليترك أثرًا نفسيًا عميقًا على الضحايا وعائلاتهن ومجتمعاتهن. في كل يوم، تواجه النساء مخاطر مضاعفة بين النزوح، فقدان الأمان، انعدام الغذاء والماء، وانهيار الخدمات الأساسية.
ويعتبر 8 مارس اليوم العالمي للمرأة، حيث أنه مناسبة سنوية لتكريم إنجازات النساء الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وللتذكير بالنضال المستمر من أجل المساواة بين الجنسين.
لذلك نسلط الضوء على شهادات النساء والمنظمات الإنسانية والنسوية والحكومة، لنكشف عن حجم الأزمة الإنسانية والسياسية التي تواجه النساء السودانيات، مع بيانات دقيقة من المرافق الصحية والمنظمات الحقوقية، ودعوة عاجلة للمجتمع الدولي والمحلي للتحرك.
ارتفاع حالات الاغتصاب وتوثيق الانتهاكات:-
قالت وزيرة الدولة بوزارة الرعاية الاجتماعية، سليمي إسحاق، إن عدد حالات اغتصاب النساء قبل سقوط مدينة الفاشر بلغ 1844 حالة، وارتفع بعد سقوط الفاشر شمال دارفور إلى أكثر من 2500 حالة، مع استمرار الحصر في ظل غياب الخدمات الصحية وصعوبة توثيق الحالات في مناطق النزاع مثل الفاشر ومنطقة بارا وكردفان أثناء وجود قوات الدعم السريع.
وأوضحت الوزيرة أن حوالي 2200 من النساء المغتصبات تلقين الخدمات الصحية، وأن أكثر من 90% من حالات الاغتصاب ارتكبها عناصر الدعم السريع، مؤكدة أن النساء والفتيات السودانيات دفعن ثمن الحرب، ويجب ضمان حقوقهن الكاملة في المشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والعدالة الآمنة لهن.
في أواخر فبراير الماضي كانت قد طالبت كيانات نسوية، بتمويل حماية النساء ودعم ضحايا العنف وتوفير الغذاء للحوامل والمرضعات وإحالة الجرائم إلى العدالة الدولية.
العنف الجنسي الممنهج واستهداف المجتمعات:-
وقالت المديرة الإقليمية لشبكة نساء القرن الأفريقي “صيحة”: هالة الكارب إن “نساء السودان هن نبض الحياة والأمل في استعادة ما فقدناه، رغم تعرضهن لعنف ممنهج على يد جميع الأطراف بسبب انتمائهن العرقي، لون بشرتهن، فقرهن وقدراتهن، وانتمائهن السياسي.”
وأكدت هالة الكارب لسودان تربيون أن شبكة “صيحة” وثقت أكثر من 1294 حالة عنف جنسي مرتبط بالنزاع منذ بداية الحرب، معظمها ارتكبته قوات الدعم السريع وحلفاؤها، مستهدفة المجتمعات الإفريقية الأصلية في دارفور على أساس عرقي، في ما وصفته الأمم المتحدة بأنه جزء من استراتيجية إبادة جماعية.
وأضافت الكارب أن النساء في الخرطوم والجزيرة وشمال السودان والنيل الأزرق يعانين من انعدام الأمن، الاعتقالات التعسفية، القوانين التمييزية، زواج الطفلات، والفقر، وهو ما يعكس غياب مفاهيم المواطنة المتساوية والتزام السودان بالقوانين الدولية لحماية النساء والفتيات.
وطالبت الكيانات التسوية خلال مذكرة في نهاية فبراير الماضي بجعل 8 مارس يومًا للتضامن مع المرأة السودانية، بحيث يتحول إلى منصة فعل سياسي دولي تُطرح فيها قضية النساء السودانيات في البرلمانات والجامعات والنقابات ووسائل الإعلام والمنظمات الدولية، بهدف فرض المساءلة وحشد الإرادة السياسية وبناء ضغط عالمي فعلي لإنهاء الجرائم ووقف الإفلات من العقاب.
الانتهاكات الجسدية والنفسية للنساء:-
بينما قالت أديبة إبراهيم السيد، أخصائية الباطنية والأوبئة وعضو فرعية خصوصي أم درمان إن “الاغتصاب فعل شنيع ومقزز، ويعد جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. آثاره النفسية والجسدية تستمر طويلًا، وقد تؤدي إلى الانتحار إذا لم تجد الضحية الدعم والمساندة.”
وأضافت أديبة أن المرافق الصحية سجلت 487 حالة اغتصاب منذ بداية الحرب حتى الآن، تشمل النساء والفتيات والأطفال، بينما لم تصل العديد من الحالات إلى المستشفيات بسبب وصمة المجتمع وصعوبة الوصول إلى الرعاية. كما تم تسجيل اختطاف 41 حالة في ولاية الجزيرة و15 حالة في جنوب كردفان، إضافة إلى تعرض مرافقات المرضى والممرضات للاعتداء.
ووثق تقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الأخير (14 فبراير 2026) أن الانتهاكات تشمل: الاغتصاب الجماعي، والتعذيب، الاستعباد، الاختطاف، والاحتجاز، والقتل، مع استمرار استهداف النساء على أساس العرق في دارفور وشمال السودان، مؤكدة أن هذه الجرائم تمثل استراتيجية ممنهجة ضد المجتمعات الإفريقية الأصلية.
العنف السياسي وغياب العدالة:-
يشير التقرير إلى أن العنف ضد النساء في السودان مسألة سياسية بالدرجة الأولى، ناتجة عن غياب مفاهيم المواطنة المتساوية، وضعف الالتزام بالقوانين الدولية التي تحمي النساء والفتيات، وهو ما يعزز انعدام الأمن والتمييز الاجتماعي ويهدد استقرار الدولة وحقوق المواطنة.
وأكدت هالة الكارب وأديبة إبراهيم على أن استمرار الإفلات من العقاب يعني استمرار الانتهاكات وتهديد سلام المجتمع بأكمله، مشيرتين إلى أن النساء السودانيات قوة فاعلة اقتصاديًا واجتماعيًا، وبدون إنصافهن لا يمكن تحقيق سلام أو تنمية مستدامة في البلاد.
دعوة للعمل الدولي والمحلي
يشدد التقرير على ضرورة توثيق جميع الانتهاكات ضد النساء والفتيات السودانيات بدقة وضمان المحاسبة القانونية للمتورطين في العنف الجنسي ودعم المجتمع المدني والمنظمات الدولية لتوفير الحماية، التوعية، والمساعدة للضحايا. وتمكين النساء السودانيات سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا لضمان مشاركتهن الفاعلة في بناء مستقبل السودان.
في الختام، يوضحن جميع نساء السودان لن يتوقفن عن المضي قدمًا رغم الحرب والانتهاكات، وأن تعزيز حقوقهن وحمايتهن هو شرط أساسي لتحقيق العدالة والسلام والتنمية في البلاد.
وتحدثت منظمة الصحة العالمية في 4 فبراير الماضي عن احتياج 8.1 مليون امرأة وفتاة في سن الإنجاب – بينهن أكثر من 803,000 امرأة حامل – إلى خدمات صحة إنجابية عاجلة، مع توقع نحو 1.1 مليون ولادة خلال 2026.
فيما قالت عضوة مجموعة النسوية السياسية والمدنية (منسم) سعدية عيسى إن تحقيق العدالة للنساء والفتيات يتطلب إصلاح الأنظمة القانونية وإزالة القوانين والسياسات التمييزية، مع إيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر هشاشة، خاصة النساء والفتيات من ذوات الإعاقة.
وأوضحت سعدية عيسي في تصريح لـ«سودان تربيون» بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي يأتي هذا العام تحت شعار «أعطِ لتكسب»، أن الشعار يدعو إلى تعزيز العطاء والتضامن لتحقيق المساواة بين الجنسين، مع التركيز على دمج وتمكين النساء والفتيات من ذوات الإعاقة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية دون تمييز.
وأضافت أن الحرب في السودان فاقمت معاناة النساء ذوات الإعاقة، حيث تعرضت بعضهن للنزوح أو اللجوء أو الإقامة في مراكز الإيواء، بينما تمكنت قلة منهن من الحصول على فرص عمل أو تدريب عبر شراكات مع منظمات في دول اللجوء.
وأشارت إلى أن النساء والفتيات من ذوات الإعاقة يواجهن تحديات كبيرة في الوصول إلى العدالة والحماية القانونية، إضافة إلى الحواجز المجتمعية وضعف الوسائل التيسيرية، ما يحد من قدرتهن على الإبلاغ عن الانتهاكات.
وكشفت عن تعرض بعضهن لانتهاكات جسيمة خلال النزاع، بينها الاغتصاب والقتل وسوء المعاملة، إلى جانب صعوبات في الفرار من مناطق القتال بسبب فقدان الوسائل المساعدة.
ودعت عيسى إلى مراجعة القوانين وإلغاء التشريعات التمييزية، ودمج الوسائل التيسيرية في النظام القضائي مثل لغة الإشارة وطريقة برايل، بما يضمن وصول النساء ذوات الإعاقة إلى العدالة ومشاركتهن الكاملة في الحياة العامة وصنع القرار.