أخبار السياسة المحلية

تأخر الأمطار والجفاف يهددان الموسم الزراعي والأمن الغذائي في السودان

القضارف – صقر الجديان 

تتصاعد المخاوف في السودان من تعثّرٍ بائن للموسم الزراعي المطري لعام 2026، إثر تأخر هطول الأمطار وتراجع معدلاتها في عدد من الولايات الزراعية الرئيسية.

ويترافق ذلك مع تحذيرات متزايدة من أن استمرار هذا الانحباس سيفاقم الأزمة الغذائية الحادة، لتتطور إلى مجاعة تشمل مساحات شاسعة من البلاد، لا سيما في إقليمي دارفور وكردفان الرازحين تحت تداعيات النزاع المسلح وتدهور النشاط الزراعي.

ويقول مزارعون في ولاية القضارف، التي تعد سلة غذاء السودان، إن الموسم الحالي يسير بصورة مقلقة، إذ لم يتمكن كثير منهم حتى الآن من حرث الأراضي أو الشروع في عمليات الزراعة بسبب شح الأمطار، في وقت كانت فيه المحاصيل خلال الفترة نفسها من العام الماضي قد بدأت في الإنبات.

في انتظار الأمطار
وتشهد مناطق واسعة جنوب ولاية القضارف، المشهورة بإنتاج الذرة والسمسم وعباد الشمس، تراجعاً واضحاً في معدلات الأمطار وتشمل المناطق المتأثرة أجزاء من محلية القلابات الغربية، لا سيما منطقتي سمسم وأم بليل، وأم الخير حيث يقول المزارعون إن الأرض ما تزال جافة بصورة غير معتادة بالنسبة لهذا الوقت من الموسم.

ويؤكد عثمان أبكر وهو مزارع في جنوب القضارف  أن تأخر الأمطار أربك برامج الزراعة بالكامل، إذ إن استمرار الجفاف يقلص الفترة المناسبة للزراعة، ويؤثر على إنتاجية المحاصيل حتى في حال هطلت الأمطار لاحقاً.

ويشير إلى أن الموسم الماضي شهد انتظاماً نسبيًا للأمطار خلال هذه الفترة، ما أتاح زراعة مساحات واسعة، بينما يختلف الوضع هذا العام بصورة كبيرة، مع استمرار انتظار الأمطار التي لم تهطل بالكميات المطلوبة، بالرغم من مرور نحو شهرين من بداية الخريف.

قلق في البطانة

ولا تقتصر الأزمة على المنطقة الجنوبية في القضارف إذ يشكو مزارعون في مناطق سهل البطانة، أحد أهم الأحواض الزراعية المطرية في شرق السودان، من ضعف الأمطار وتأخرها.

ويقول مزارعون من بينهم محمد ياسر إن حالة القلق تتزايد يوماً بعد آخر، لأن ضيق الموسم الزراعي قد يؤدي إلى انخفاض المساحات المزروعة، وبالتالي تراجع الإنتاج في نهاية الموسم وهو ما ستكون له آثار مباشرة على أسعار الغذاء وتوفره في الأسواق.

وأضاف أنه في منتصف الجاري هطلت أمطار غزيرة وهو ما دفع المزارعين إلى البدء في فلاحة الأرض، غير أن الأمطار توقفت بشكل مفاجئ منذ منتصف يوليو الجاري، وهو ما أدى لتلف البذور داخل الأرض قبل إنباتها ما تسبب في حدوث خسائر كبيرة طالت المزارعين.
بدوره قال المزارع محمد أبو سيخ إن تراجع معدلات هطول الأمطار خلال السنوات الأخيرة أصبح يشكل تحديًا كبيرًا للمزارعين والرعاة في المناطق التي يعتمد اقتصادها بصورة أساسية على الزراعة المطرية، مشيرًا إلى أن ضعف الموسم الزراعي دفع أعدادًا من السكان إلى مغادرة القرى والتوجه نحو المدن بحثًا عن مصادر بديلة للدخل.

وأضاف أن الرعاة اضطروا بدورهم إلى التمركز حول مصادر المياه والمشروعات الزراعية المروية لتوفير المراعي لماشيتهم، وهو ما أدى، بحسب قوله، إلى تصاعد الاحتكاكات مع المزارعين نتيجة دخول الحيوانات إلى الحقول وإتلاف أجزاء من المحاصيل.

وأوضح أبو سيخ أن تداعيات شح الأمطار امتدت إلى العمال الموسميين الذين يعتمدون على أعمال الزراعة المطرية، مثل إعداد الأراضي والحصاد، حيث فقد كثير منهم مصادر رزقهم، واضطروا إلى العمل في مهن هامشية، أبرزها البيع في الأسواق.

وأضاف أن تدهور الأوضاع المعيشية دفع بعضهم إلى سلوك طرق غير مشروعة نتيجة عجزهم عن توفير احتياجات أسرهم الأساسية.

وأبدى أمله في تحسن الموسم المطري، قائلاً إن هطول أمطار كافية يمثل السبيل الأهم لاستعادة النشاط الزراعي وتحسين أوضاع المجتمعات الريفية.

جفاف دارفور وكردفان

وتعاني مناطق واسعة في دارفور وكردفان من ضعف الأمطار، بالتزامن مع استمرار الحرب التي أدت إلى خروج مساحات زراعية كبيرة من دائرة الإنتاج بسبب انعدام الأمن ونزوح السكان وتعطل الأنشطة الزراعية.

ويقول مزارعون وناشطون محليون إن آلاف الأسر كانت تعتمد بصورة رئيسية على الزراعة المطرية لتوفير احتياجاتها الغذائية طوال العام، إلا أن استمرار الحرب وتراجع الأمطار يهددان بفقدان الموسم بالكامل.

ويرى الناشط فيصل محمد أبكر أن أي فشل للموسم الزراعي في دارفور وكردفان ستكون له تداعيات إنسانية خطيرة، لأن ملايين السكان يعتمدون على الإنتاج المحلي، في وقت تراجعت فيه حركة التجارة وارتفعت أسعار السلع الأساسية، كما تعاني المنظمات الإنسانية من صعوبات كبيرة في إيصال المساعدات بسبب استمرار الحرب.

ويقول إن عددًا كبيرًا من المشاريع الزراعية المطرية في ولايات شمال وجنوب وغرب كردفان خرجت تماماً من الخدمة بسبب موجات النزوح العالية من تلك المناطق جراء استمرار المواجهات العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، علاوة على قلة الأمطار برغم مرور أكثر من شهرين على بداية الخريف.

ويشير إلى أن الانتهاكات التي ترتكبها الدعم السريع ومليشيات القبائل العربية المتحالفة معها لعبت دوراً بارزاً في عزوف السكان عن الزراعة في ولايات شمال وجنوب دارفور.
مخاطر على الأمن الغذائي

يمثل القطاع الزراعي المطري العمود الفقري للإنتاج الزراعي في السودان، إذ يوفر معظم إنتاج الذرة، الغذاء الرئيسي للسكان، إضافة إلى السمسم وعباد الشمس ومحاصيل نقدية أخرى مثل حبة البطيخ “التسالي”، فضلاً عن الفول السوداني.

ويرى خبراء أن استمرار تأخر الأمطار خلال الأسابيع المقبلة قد يؤدي إلى تقلص المساحات المزروعة، وضعف الإنتاجية، وارتفاع تكلفة الزراعة، فضلاً عن زيادة احتمالات تعرض المحاصيل للآفات بسبب اختلال الدورة المناخية.

وأكد المسؤول السابق بوزارة الزراعة السودانية المهندس بدر الدين محمد حسن، أن التراجع الملحوظ في معدلات هطول الأمطار وتذبذب موسم الجفاف الحالي في عدد من الولايات المطرية يمثل تحدياً حرجاً للقطاع الزراعي.

وأوضح أن تأخر الأمطار والانحباس الحراري المستمر أديا إلى جفاف المساحات المجهزة للزراعة المبكرة، مما يحرم المزارعين من الاستفادة من بداية الموسم الإستراتيجية ويقلل فرص إنبات بذور المحاصيل الأساسية مثل الذرة والسمسم.

وأضاف حسن أن الانعكاسات المباشرة لهذا الجفاف لن تقتصر فقط على انخفاض إنتاجية الفدان، بل تهدد الأمن الغذائي في المناطق المعتمدة بشكل كامل على الزراعة المطرية التقليدية والآلية.

وأفاد بأن نقص الرطوبة في التربة في هذه المراحل الحرجة يضعف نمو النباتات ويجعلها أكثر عرضة للآفات الزراعية، فضلاً عن تقليص المساحة الكلية المزروعة هذا العام مقارنة بالمواسم السابقة.

وشدد على ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة للحد من آثار هذه الأزمة، ودعم المزارعين بالتقنيات الحديثة لحصاد مياه الأمطار وإدخال الأصناف المبكرة النضج والمقاومة للجفاف.

كما دعا إلى تعزيز شبكات الإنذار المبكر والتأمين الزراعي لتفادي الخسائر المتصاعدة، معتبراً أن إدارة الموارد المائية المتاحة بكفاءة تشكل خط الدفاع الأول لحماية ما تبقى من الموسم الزراعي الحالي.

في سياق متصل، تشهد مناطق عديدة على امتداد نهر النيل في السودان تراجعاً ملحوظاً في مناسيب المياه، وسط تساؤلات بشأن أسباب الانخفاض وتأثير تشغيل سد النهضة على التدفقات المائية، في ظل استمرار غياب اتفاق ملزم بين السودان ومصر وإثيوبيا بشأن قواعد ملء السد وتشغيله.

وأوضح المسؤول السابق بوزارة الري أن سد النهضة أصبح عاملاً رئيسياً في تحديد تدفقات النيل منذ بدء تشغيله وملء خزانه، مشيراً إلى أن السلطات الإثيوبية تدير السد وفق أولوياتها المتعلقة برفع منسوب البحيرة تدريجياً وتشغيل توربينات توليد الكهرباء بحسب احتياجاتها.

وأضاف أن السودان كان بحاجة إلى متابعة مستمرة لما يجري في بحيرة سد النهضة، ورصد حجم المياه الواردة إليها والمنصرفة منها، ومن ثم تعديل تشغيل السدود السودانية بما يتناسب مع تلك المتغيرات لتفادي أي مخاطر محتملة.

وأشار إلى أن تداعيات الحرب أدت إلى تراجع التواصل الفني مع الجانب الإثيوبي، وهو ما حال دون تحديث سياسات تشغيل السدود السودانية، موضحاً أنه كان من الممكن خفض التصريف من بعض الخزانات ومراقبة كميات المياه الواصلة إلى خزان جبل أولياء بصورة أكثر دقة.

وأرجع المسؤول انخفاض مناسيب النيل أيضاً إلى ضعف التنسيق بين البلدين خلال الفترة الأخيرة، فضلاً عن التغيرات المؤسسية التي شهدتها وزارة الري، بالإضافة إلى جوانب أخرى سياسية وعسكرية وأمنية أدت إلى ضعف التنسيق والتواصل مع الجانب الإثيوبي.

وأكد أن إثيوبيا تواصل إدارة سد النهضة وفق أولوياتها المرتبطة باستكمال الملء التدريجي للخزان والتوليد الكهربائي.

ومع ذلك، يصف المزارع الصادق، حالة الهلع التي انتابت المزارعين والرعاة جراء الجفاف وتأخر الأمطار، وما ترتب على ذلك من قفزات جنونية في الأسعار؛ إذ ارتفع سعر جوال الذرة من 110 آلاف إلى نحو 170 ألف جنيه، وشهد جوال البذور ارتفاعاً قياسياً ليبلغ 300 ألف جنيه.

ولم تتوقف الموجة عند المستلزمات الزراعية، بل امتدت لتطال السلع الغذائية الأساسية، حيث ارتفعت أسعار الألبان واللحوم بشكل حاد، متجاوزة 30 ألف جنيه لكيلو الدجاج، و50 ألف جنيه لكيلو اللحوم الحمراء.

ورغم هذا المشهد الضاغط، يبدو أن الأمل بدأ يعود مجدداً، حيث شهدت المنطقة اليوم هطول أمطار غزيرة، يستبشر بها “الصادق” خيراً بأن تكون فاتحة بركة ورخاء، سائلاً الله أن يتم نعمته على السودان، وأن يعم الأمن والأمان في كافة ربوعه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى