حوارات وتقارير

السودانيون يدفعون ثمن الحرب.. النزوح والجوع وانهيار الخدمات

بعد أكثر من ثلاث سنوات، أصبحت حياة السودانيين نفسها واحدة من أكبر ساحات خسائر الحرب

تقرير | صقر الجديان

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد الأزمة السودانية تُقاس فقط بمساحات السيطرة العسكرية أو بتغير خطوط القتال، بل بملايين السودانيين الذين فقدوا منازلهم ومصادر دخلهم وقدرتهم على الوصول إلى الغذاء والعلاج والخدمات الأساسية.

أحدث الأرقام الصادرة عن المنظمات الدولية ترسم صورة ثقيلة للكلفة الإنسانية للحرب، في وقت يستمر فيه القتال وتتزايد التحذيرات من نقص التمويل وصعوبة إيصال المساعدات إلى بعض المناطق الأكثر احتياجاً.

34 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال 2026 فيما يفتقر نحو 21 مليون شخص إلى الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها

نحو 20 مليون سوداني يواجهون الجوع

قال برنامج الأغذية العالمي، عقب زيارة ميدانية لمسؤوليه إلى السودان في سبتمبر 2026، إن نحو 20 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من الجوع، بينهم نحو 5 ملايين في مستوى «الطوارئ»، فيما يعيش نحو 200 ألف شخص ظروفاً مرتبطة بأعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي. وكان تقييم مشترك لبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة «فاو» واليونيسف قد قدر في مايو عدد الذين يواجهون انعداماً حاداً للأمن الغذائي بنحو 19.5 مليون شخص.

ولا تقتصر الأزمة على نقص الغذاء؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 825 ألف طفل دون الخامسة معرضون للإصابة بسوء التغذية الحاد الوخيم خلال عام 2026.

ملايين أُجبروا على ترك منازلهم

الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، أحدثت كذلك واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم. وتظهر بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين داخلياً الذين كانت تتابعهم المنظمة بلغ نحو 8.62 مليون شخص في يوليو 2026. وفي المقابل، سجلت المنظمة قرابة 4.93 مليون عائد، في مؤشر على عودة أعداد كبيرة إلى مناطق شهدت انخفاضاً في حدة القتال، لكن العودة لا تعني انتهاء الأزمة.

فكثير من العائدين يصلون إلى مدن وأحياء تضررت فيها المنازل والمرافق والبنية التحتية، ما يضع ضغطاً إضافياً على المياه والكهرباء والصحة وغيرها من الخدمات.

أزمة صحية تطال الملايين

وتكشف أرقام منظمة الصحة العالمية جانباً آخر من الكلفة. فقد قدرت المنظمة أن نحو 34 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال 2026، فيما يفتقر نحو 21 مليون شخص إلى الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها. وتقول المنظمة إن 37% من المنشآت الصحية في السودان لا تزال خارج الخدمة.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من 217 هجوماً على الرعاية الصحية حتى أبريل 2026، أسفرت، وفق بياناتها، عن 2,052 وفاة و810 إصابات.

وتزامن انهيار أجزاء من النظام الصحي مع تفشي أمراض تشمل الملاريا وحمى الضنك والحصبة والتهاب الكبد الوبائي والدفتيريا وأمراضاً أخرى في عدد من الولايات.

المساعدات نفسها تحت النار

حتى الوصول إلى المحتاجين أصبح جزءاً من الأزمة. ففي 30 أغسطس، تعرضت شاحنتان تحملان مساعدات غذائية تابعة لبرنامج الأغذية العالمي لهجوم جوي خارج الدلنج بجنوب كردفان، بحسب البرنامج.

وأدى الهجوم إلى تدمير أكثر من 50 طناً من المواد الغذائية كانت في طريقها إلى كادوقلي، وهي كمية قال البرنامج إنها كانت تكفي لتقديم مساعدات لنحو 5,800 شخص لمدة شهر. وقال البرنامج إنه سجل منذ بداية 2026 ثمانية هجمات جوية ألحقت أضراراً بمنشآته وعطلت عملياته.

الأزمة تتجاوز ساحات القتال

وتوضح هذه المؤشرات أن آثار الحرب لم تعد محصورة في المناطق التي تشهد المواجهات المباشرة. النزوح وتعطل الإنتاج والأسواق وتضرر القطاع الصحي وصعوبة إيصال المساعدات جعلت ملايين السودانيين يواجهون آثار الحرب حتى في مناطق بعيدة عن خطوط الاشتباك.

وفي بعض المناطق التي شهدت عودة السكان، تواجه المجتمعات تحدياً مختلفاً: العودة إلى مدن تعرضت بنيتها الأساسية لأضرار واسعة بينما تعاني الخدمات أصلاً من نقص الموارد.

من يتحمل مسؤولية استمرار الحرب؟

سياسياً، تتزامن هذه الأزمة مع استمرار الخلاف حول الطريق إلى إنهاء النزاع. فالجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات تأسيس بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي» يخوضان الحرب منذ أبريل 2023، بينما تتبادل الأطراف الاتهامات بشأن المسؤولية عن استمرارها والانتهاكات المرتبطة بها.

وفي المقابل، تتزايد الدعوات المدنية والإقليمية والدولية لوقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين وفتح مسارات المساعدات الإنسانية والوصول إلى تسوية سياسية.

وبالنسبة للمدنيين، تبدو نتيجة استمرار الحرب أكثر وضوحاً من الجدل السياسي المحيط بها: ملايين النازحين، ونحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع، ونظام صحي عاجز عن الوصول إلى ملايين آخرين.

بعد أكثر من ثلاث سنوات، أصبحت حياة السودانيين نفسها واحدة من أكبر ساحات خسائر الحرب.

 

المصادر:

برنامج الأغذية العالمي (WFP) — سبتمبر 2026

المنظمة الدولية للهجرة (IOM-DTM) — يوليو/أغسطس 2026

منظمة الصحة العالمية (WHO) — 2026

برنامج الأغذية العالمي/فاو/يونيسف — تقييم الأمن الغذائي 2026

اقرأ أيضا

مُسعد بولس: توصلنا لأدلة على استخدام الجيش السوداني لـ «أسلحة كيماوية»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى