بيع تذاكر «الأثيوبية» بالدولار يثير مخاوف اقتصادية وقانونية في السودان

الخرطوم – صقر الجديان
أثار رفض مكتب الخطوط الجوية الإثيوبية إصدار حجوزات التذاكر بالعملة المحلية في السودان موجة من الجدل بين المختصين بصناعة الطيران وخبراء الاقتصاد، وسط مخاوف من إسهام الخطوة في المزيد من تدهور قيمة الجنيه السوداني وتضييق خيارات السفر أمام المواطنين.
وتوقف مكتب الخطوط الجوية الإثيوبية ببورتسودان مؤخراً عن التعامل بالجنيه السوداني في معاملات شراء التذاكر، مشترطاً الدفع بالدولار نقداً فقط، الأمر الذي أثار استياء المواطنين والمتعاملين مع المكتب.
وتشهد العملة المحلية في السودان تدهوراً مريعاً أمام سلة العملات الأجنبية، حيث تجاوز سعر الدولار الواحد أربعة آلاف جنيه منذ أشهر.
مخالفة القوانين الوطنية
في المقابل، انتقد مدير الشحن الجوي بالخطوط الجوية السودانية، مرتضى حسن جمعة، في تصريحات صحفية، امتناع مكتب الخطوط الإثيوبية عن قبول الجنيه السوداني في بيع تذاكر السفر وقصر السداد على الدولار.
وأشار إلى أن اتفاقيات النقل الجوي الثنائية واتفاقيات منظمة الطيران المدني الدولي تمنح الناقلات الأجنبية الحق في تحويل إيراداتها بالعملات القابلة للتحويل وفقاً للأنظمة المصرفية المعمول بها، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة إعفاءها من الالتزام بمتطلبات البيع والتحصيل المحلية متى ما كانت هذه المتطلبات مقررة بموجب القانون الوطني.
وتابع: «إذا ثبت أن الشركة ترفض بصورة مطلقة قبول الجنيه السوداني أو وسائل الدفع الإلكترونية المعتمدة دون وجود توجيه رسمي أو استثناء صادر من بنك السودان المركزي أو الجهات المختصة، فإن الأمر يستوجب المراجعة القانونية والتنظيمية للتأكد من مدى توافق هذا الإجراء مع القوانين الوطنية وشروط الترخيص الممنوح لها للعمل داخل السودان».
أزمة تحويل الأرصدة وشح النقد الأجنبي
من جانبه، قال المدير السابق لسلطة الطيران المدني، إبراهيم عدلان ، إن القضية أكثر تعقيداً من مجرد خلاف بين شركة طيران وسلطات الدولة، فهي نتاج ظروف اقتصادية استثنائية فرضتها الحرب وتداعياتها على الاقتصاد السوداني والجهاز المصرفي.
وتابع أن الخطوط الإثيوبية تخشى الاحتفاظ بأرصدة كبيرة بالجنيه السوداني بسبب مخاطر انخفاض قيمته بمرور الزمن، وهو تخوف تجاري مشروع من وجهة نظر أي شركة تعمل وفق أسس اقتصادية سليمة، لافتاً إلى أن الخطوط الإثيوبية تمثل أكبر ناقل جوي أجنبي يخدم السودان حالياً، كما أنها تشكل منفذاً رئيسياً لربط السودان بالعالم الخارجي عبر شبكة واسعة من الوجهات الدولية.
الضغط على السوق الموازية
أما من جانب الدولة السودانية، فهناك مخاوف لا تقل مشروعية تتمثل في أن يؤدي بيع التذاكر بالدولار النقدي داخل السودان إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية خارج النظام المصرفي الرسمي.
وأضاف أن المسافر الذي لا يجد الدولار عبر القنوات الرسمية سيتجه تلقائياً إلى السوق الموازية للحصول عليه، الأمر الذي يؤدي إلى تنشيط تجارة العملة وزيادة الضغوط على سعر الصرف، وهو ما يتعارض مع أهداف السياسة النقدية للدولة.
كما أن إلزام المواطن بالدفع بالدولار في بلد عملته الرسمية هي الجنيه السوداني يثير تساؤلات تتعلق بالسيادة النقدية ومبدأ التعامل بالعملة الوطنية داخل حدود الدولة.
مقترحات وحلول
واستدرك قائلاً إنه بدلاً من ترك الأزمة تتفاقم حتى تصل إلى مرحلة تقليص الرحلات أو توقفها، ينبغي على سلطة الطيران المدني أن تتعامل مع الخطوط الإثيوبية باعتبارها شريكاً استراتيجياً لا مجرد مستخدم للمطارات والمجال الجوي.
تبعات الحرب
من جهته، قال المحلل الاقتصادي هيثم محمد فتحي إن إلزام الدفع بالعملة الأجنبية (الدولار) لرحلات تبدأ من الداخل يُعد أمراً مخالفاً لتعليمات سلطة الطيران، كما أن قيام بعض الشركات ببيع منتجاتها في السوق المحلية بالعملة الأجنبية يعد مخالفة صريحة لقانون البنك المركزي والجهاز المصرفي السوداني الذي أكد أن يكون التعامل داخل السودان شراءً وبيعاً في مجال السلع والخدمات بالجنيه السوداني.
وأضاف: «في تقديري سيرضخ المواطنون لقرار بيع التذاكر بالدولار، لمحدودية التنافس الأجنبي في السوق المحلية وعدم إمكانية دخول شركات أخرى إلى السودان حتى الآن في ظل الأوضاع الأمنية المتذبذبة التي تشهدها البلاد».
وأشار إلى أن ذلك سينعكس سلباً على المواطن والاقتصاد السوداني، من ناحية ارتفاع أسعار تذاكر السفر في سوق يمكن اعتباره أقرب إلى احتكار القلة، وهو وضع مجحف بحق المواطن السوداني، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
وشدّد على ضرورة إلزام جميع الشركات والمؤسسات الأجنبية العاملة في البلاد بالتعامل بالجنيه السوداني بدلاً من الدولار، دعماً للعملة الوطنية.
وكانت شركات الطيران الإقليمية والعالمية قد علّقت نشاطها في الأجواء السودانية منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023 وخروج مطار الخرطوم عن الخدمة، قبل أن يعود بعضها للعمل عبر مطار بورتسودان شرقي البلاد، بعد نقل خدمات الملاحة الجوية إليه بصورة مؤقتة.
ويعاني السودان من تراجع مستمر في قيمة العملة المحلية وشح موارد النقد الأجنبي نتيجة طول أمد الحرب وضعف الإنتاج والصادرات، فضلاً عن توجيه جزء كبير من الموارد المالية لتغطية نفقات المجهود الحربي، الأمر الذي يفاقم صعوبات شركات الطيران الأجنبية في تحويل فائض مبيعاتها إلى الخارج.




