أخبار السياسة العالميةأخبار السياسة المحلية

«الفيتو الدبلوماسي».. هل وفّرت الرياض مظلة سياسية لسلطة بورتسودان في المحافل الدولية؟

القصف الجوي والانتهاكات.. اختبار أصعب لفرضية «المظلة السعودية»

الخرطوم – صقر الجديان

مع انتقال الحرب السودانية من ساحات القتال إلى معركة موازية حول الشرعية والتمثيل السياسي، أصبحت لغة الدول المؤثرة في الأمم المتحدة جزءاً أساسياً من الصراع. وفي هذا السياق، برز الموقف السعودي بوصفه واحداً من المواقف التي تمنح أولوية متزايدة لوحدة السودان والحفاظ على مؤسسات الدولة، وهو توجه استفادت منه السلطة القائمة في بورتسودان في مواجهة محاولات بناء مركز سياسي منافس في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.

أظهرت مقارنة البيانات أن الانتهاكات المنسوبة إلى قوات تأسيس قوبلت بإدانات سعودية مباشرة ومتكررة بينما جرى التعامل مع التقارير المتعلقة بعمليات الجيش السوداني بصياغات عامة تدعو جميع الأطراف إلى حماية المدنيين

وبحلول يونيو 2026، بدا هذا الاتجاه أكثر وضوحاً في الخطاب الدبلوماسي السعودي، مع التشديد على وحدة مؤسسات الدولة ورفض المسارات التي يمكن أن تقود إلى تقسيم السودان أو تثبيت سلطات متوازية.

من إدانة الحرب إلى حماية مؤسسات الدولة.. أين تغيرت الأولويات؟

منذ اندلاع الحرب، ركزت التحركات السعودية بصورة أساسية على وقف القتال وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وكان مسار جدة أبرز تجليات هذا الدور. لكن استمرار الحرب وتوسعها الجغرافي، بالتزامن مع ظهور مشاريع سياسية وإدارية متنافسة، أضاف بعداً جديداً إلى الموقف السعودي: من يمثل الدولة السودانية؟

هنا اكتسب مصطلح «مؤسسات الدولة» أهمية سياسية تتجاوز معناه الإداري.

فالتشديد السعودي على الحفاظ على المؤسسات الرسمية يعني عملياً رفض التعامل مع طرفي الحرب باعتبارهما كيانين سياسيين متساويين من حيث الشرعية، حتى إذا كانت الرياض تتعامل مع كليهما باعتبارهما طرفين عسكريين ينبغي الضغط عليهما لإنهاء القتال.

وفي حرب لم تعد تُخاض بالطائرات والمسيّرات والقوات البرية وحدها أصبحت مفردات مثل «الدولة» و«المؤسسات» و«الشرعية» أسلحة سياسية بحد ذاتها 

وهذا التفريق يصب سياسياً في مصلحة السلطة الموجودة في بورتسودان، التي تستند في خطابها الخارجي إلى أنها تمثل استمرارية الدولة ومؤسساتها، بينما تصف قوات الدعم السريع وحلفاءها باعتبارهم قوة مسلحة لا يجوز أن تتحول سيطرتها الميدانية إلى أساس لشرعية سياسية موازية.

وتزداد أهمية هذا الموقف عندما ينتقل إلى المحافل الدولية. ففي مجلس الأمن والأمم المتحدة لا يدور النقاش فقط حول وقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية، بل حول العقوبات وحظر الأسلحة وحماية المدنيين والمساءلة وشكل العملية السياسية ومستقبل مؤسسات الحكم.

وبالتالي، فإن أي خطاب دولي يصر على الحفاظ على «مؤسسات الدولة» يضع سقفاً سياسياً أمام التصورات التي يمكن أن تنتهي إلى الاعتراف بسلطتين متنافستين أو إعادة تعريف طرفي الحرب باعتبارهما كيانين سياسيين متكافئين.

لكن ذلك يعني تلقائياً أن السعودية وفرت «حصانة» للجيش من المساءلة.

القصف الجوي والانتهاكات.. اختبار أصعب لفرضية «المظلة السعودية»

تظهر المسألة بصورة أكثر حساسية عند الانتقال من معركة الشرعية إلى ملف الانتهاكات.

فالحرب السودانية صاحبتها اتهامات وتقارير عن انتهاكات خطيرة ارتكبتها أطراف متعددة، وأصبحت حماية المدنيين والمساءلة من الملفات الأساسية المطروحة دولياً.

وفي هذا السياق، يمكن فحص الخطاب السعودي ليس فقط من خلال ما قاله، وإنما أيضاً من خلال درجة التحديد في إدانة كل طرف: متى استخدمت الرياض أسماء الأطراف بصورة مباشرة؟ ومتى لجأت إلى الصياغات العامة؟ وهل تغير هذا النمط مع تطور الحرب؟

أظهرت مقارنة البيانات أن الانتهاكات المنسوبة إلى قوات تأسيس قوبلت بإدانات سعودية مباشرة ومتكررة، بينما جرى التعامل مع التقارير المتعلقة بعمليات الجيش السوداني بصياغات عامة تدعو جميع الأطراف إلى حماية المدنيين، فإن ذلك يمثل مؤشراً مهماً على وجود تفاوت في اللغة الدبلوماسية.

لكن «تجنب الإدانة المباشرة» يختلف عن «غض الطرف». فالأول يمكن إثباته بمقارنة نصوص البيانات الرسمية، بينما الثاني يفترض معرفة دوافع سياسية داخلية لا يمكن استنتاجها من الصمت وحده.

وتكمن أهمية هذا الفارق في أن السعودية تجمع بين موقعين متداخلين: دولة تسعى إلى الاحتفاظ بدور في جهود إنهاء الحرب، وقوة إقليمية لديها مصلحة استراتيجية في منع انهيار الدولة السودانية أو تحول البلاد إلى سلطات ومناطق نفوذ متنافسة على الضفة الأخرى من البحر الأحمر.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم أولوية «مؤسسات الدولة» باعتبارها جزءاً من تصور سعودي للاستقرار، وليس بالضرورة دعماً مفتوحاً لكل تحركات القيادة العسكرية.

لكن النتيجة السياسية بالنسبة إلى بورتسودان تظل مهمة.

فكلما ترسخت دولياً معادلة تفصل بين طرف عسكري داخل مؤسسات الدولة وقوة مسلحة تنازع تلك المؤسسات، تراجعت فرص المساواة السياسية الكاملة بين الجيش والدعم السريع في المحافل الدولية، حتى عندما يظل الطرفان خاضعين للمطالب نفسها المتعلقة بوقف الحرب وحماية المدنيين.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لما يمكن وصفه بـ«الفيتو الدبلوماسي» السعودي: ليس في تعطيل قرار داخل مجلس الأمن باستخدام سلطة قانونية لا تملكها الرياض، وإنما في المساهمة في ترسيخ إطار سياسي يعتبر وحدة الدولة واستمرار مؤسساتها نقطة البداية لأي تسوية.

وبالنسبة إلى القيادة الموجودة في بورتسودان، يوفر هذا الإطار مكسباً سياسياً مهماً؛ إذ يسمح لها بمواجهة محاولات مساواتها بمشروع سلطة موازية، ويعزز حجتها بأن التسوية ينبغي أن تتم داخل إطار الدولة القائمة وليس من خلال إعادة تأسيس الشرعية بين سلطتين متنافستين.

ومع ذلك، فإن الحد الفاصل بين الدفاع عن مؤسسات الدولة وتوفير مظلة سياسية لطرف عسكري سيظل موضع جدل. فخصوم الجيش قد يرون أن الفصل بين المؤسسة العسكرية والسلطة القائمة في بورتسودان غير واقعي في ظل ظروف الحرب، بينما يمكن للرياض القول إن حماية مؤسسات الدولة لا تعني منح أي طرف حصانة من القانون الدولي أو المسؤولية عن الانتهاكات.

لهذا فإن القراءة الأكثر دقة للدور السعودي لا تتمثل في القول إن الرياض استخدمت «فيتو» لحماية الجيش داخل مجلس الأمن، بل إن ثقلها الدبلوماسي وخطابها المتزايد حول شرعية مؤسسات الدولة منحا بورتسودان مساحة سياسية إضافية في معركة الاعتراف الدولي.

وفي حرب لم تعد تُخاض بالطائرات والمسيّرات والقوات البرية وحدها، أصبحت مفردات مثل «الدولة» و«المؤسسات» و«الشرعية» أسلحة سياسية بحد ذاتها. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو الدبلوماسية السعودية عاملاً يستحق المتابعة: ليس فقط لمعرفة الطرف الذي تدينه الرياض، وإنما لمعرفة من تمنحه لغة بياناتها صفة الدولة، ومن تبقيه في خانة الطرف المسلح في الحرب.

اقرأ ايضا

خارطة طريق جديدة بين السودان والبنك الإسلامي لتسوية المتأخرات واستئناف التمويل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى