وقود الإعلام.. أكثر من 40 ألف شاب وقاصر يُدفعون إلى المحرقة
جمعية قرآن في الواجهة.. وتجنيد في الخلفية
تحقيق استقصائي | صقر الجديان
كشفت معلومات ميدانية ورصد إعلامي حصلت عليه «صقر الجديان» أن حملات التعبئة الإعلامية، مقترنة بالتعبئة القسرية، سجّلت وجنّدت أكثر من 40 ألف شاب وقاصر منذ اندلاع الحرب. الأغاني الحماسية والجهادية والشعارات العاطفية تُستخدم لدفع طلاب وشباب إلى المعسكرات بلا تدريب كافٍ، ثم إلى الخطوط الأمامية كدروع بشرية ووقود رخيص لإطالة القتال.
الحركة الإسلامية، وفق مصادر التحقيق، تستغل رحلات وأنشطة تُقدَّم تحت اسم «جمعية القرآن الكريم» كغطاء لاستقطاب القُصّر والشباب، قبل تحويل الحماس الديني إلى تسجيل في الكتائب المساندة للجيش. القانون السوداني والدولي يحرّمان تجنيد من هم دون الثامنة عشرة، غير أن الشاشات والميكروفونات سبقت القانون إلى المعسكر.
من نشيد «الجهاد» إلى خندق بلا تدريب
عادت الأناشيد الجهادية إلى الواجهة بعد أبريل 2023، بعد أن اختفت نسبياً عقب ثورة ديسمبر. كتائب الظل المرتبطة بالحركة الإسلامية، وفي مقدمتها كتيبة البراء بن مالك، بثّت أناشيد وشعارات تمجّد القتال وتخلط «الدفاع عن الوطن» بخطاب تكفيري ضد الخصم. المنصات لا تكتفي بالتحريض؛ هي آلة تسجيل: لقطات للمعسكرات، هتافات للطلاب، ودعوات مفتوحة للانضمام تُعرض وكأنها واجب ديني لا خياراً سياسياً.
النتيجة ليست «مقاومة شعبية» بالمعنى المدني. شباب يُنقلون بسرعة من «رحلة تجنيد» بلا سلاح إلى السلاح، بلا إعداد كافٍ على البقاء أو الإخلاء أو التمييز بين مقاتل ومدني. في الخطوط الأمامية يتحوّلون إلى دروع بشرية: صفوف أولى تمتص النيران، بينما تُدار المعركة من خلفهم. كل أغنية جديدة تجلب دفعة جديدة، وكل دفعة جديدة تطيل أمد الحرب وتزيد عدد الجثث التي لا تُسمّى في البيانات الرسمية.
مراقبون حقوقيون وثّقوا استخدام أطفال وقُصّر في تدريبات وتجمعات مرتبطة بكتائب مساندة للجيش، بما في ذلك اتهامات بنقل طلاب من مدارس إلى ساحات تدريب. الظاهرة ليست حكراً على طرف واحد في هذه الحرب؛ أطراف النزاع كافة متهمة بتجنيد أطفال. غير أن هذا التحقيق يركز على الآلة الإعلامية الإسلامية التي تعيد إنتاج نموذج التسعينيات: تعبئة عاطفية، غطاء قرآني، ثم زجّ بالأجساد غير المدرَّبة في النار.
جمعية قرآن في الواجهة.. وتجنيد في الخلفية
تاريخ تغلغل الحركة الإسلامية في المؤسسة العسكرية يشمل إنشاء جمعيات داخل الجيش، منها جمعية القرآن الكريم، كأداة تنظيم وولاء لا كنشاط تعبّدي صرف. في الحرب الحالية يُعاد استخدام الاسم نفسه: رحلات، حلقات، مخيمات «تحفيظ»، ثم قوائم تسجيل. القاصر لا يرى بندقية في اليوم الأول؛ يرى نشيداً وشعاراً ووعداً بالشهادة أو بالنصر. بعدها يُزجّ به حيث لا توجد حماية ولا محاسبة.
أربعون ألفاً رقم مرعب إن ثُبت بكشوف كاملة، وهو في كل الأحوال مؤشر على حجم الآلة لا على واقعة فردية. الإعلام هنا ليس ناقلاً للخبر؛ هو وقود. يغذّي الكتائب بالأجساد، ويغطي الكلفة الأخلاقية بعناوين «الجهاد» و«الكرامة». من يغنّي للموت في الاستوديو لا يدفن من يموت في الخندق.
صقر الجديان تضع الملف أمام المنظمات الأممية المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة، وأمام مجلس الأمن: تجنيد القُصّر جريمة حرب، سواء جرى بخطف أو بأغنية. قطع وقود الإعلام جزء من وقف الحرب، لا تفصيلاً جانبياً بعدها.
اقرأ ايضا
الأميركي جوناثان هوارد يتولى مهامه قائماً بالأعمال لدى السودان




