مع دخول الحرب عامها الرابع .. تقارير أممية ترسم صورة قاتمة للأزمة الإنسانية في السودان

الخرطوم – صقر الجديان
رسمت ثلاثة تقارير صدرت عن منظمات تابعة للأمم المتحدة، بين 28 و30 مايو الجاري، صورة قاتمة ومأساوية للأوضاع الإنسانية في السودان، محذرة من تمدد رقعة الجوع، واتساع معدلات النزوح، إلى جانب تدهور حاد في أوضاع النساء والفتيات.
وتتضاعف التحديات أمام وكالات الإغاثة الدولية للاستجابة لمتطلبات ملايين المتضررين، بالتزامن مع دخول الصراع المسلح عامه الرابع منذ اندلاعه في أبريل 2023. وتوضح التقارير الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أن الأزمة السودانية تجاوزت تداعيات العمليات العسكرية المباشرة، لـتتحول إلى كوارث متعددة الأبعاد تضرب الأمن الغذائي، والصحة، والحماية، والخدمات الأساسية.
اتساع رقعة الجوع ومخاوف من موسم الأمطار
أكد برنامج الأغذية العالمي، في موجزه القطري لشهر مايو 2026، أن الأزمة الغذائية تشهد تعقيداً مستمراً جراء تواصل النزاع، وتعطل الأسواق المحلية وسلاسل الإمداد، مما جعل ملايين المواطنين يعتمدون كلياً على المساعدات الخارجية للبقاء على قيد الحياة.
وطبقاً لأحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) الصادر في منتصف مايو الجاري، فإن نحو 19.5 مليون شخص (ما يعادل 40% من السكان) يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. ومن بين هذه الإحصائية، يقع نحو 135 ألف شخص تحت وطأة أوضاع كارثية تهددهم بالمجاعة الفورية، وتحديداً في 14 منطقة ساخنة بولايات دارفور وجنوب كردفان.
كما يصنف التحليل أكثر من 5 ملايين سوداني ضمن مرحلة “الطوارئ الغذائية”، في حين يعاني نحو 14 مليوناً من مستوى “الأزمة”، وسط توقعات بتفاقم هذه المؤشرات خلال الفترة من يونيو إلى سبتمبر، وهي الفترة التي تتسم بزيادة الضغوط الغذائية وصعوبة رصد ممرات آمنة للوصول الإنساني.
وفي السياق ذاته، حذر البرنامج الأممي من أن موسم الأمطار المرتقب قد يتسبب في عزل مناطق جديدة، مما يعوق عمليات إيصال الإغاثة، لا سيما في إقليمي دارفور وكردفان اللذين يظلان الأكثر عرضة للمخاطر نتيجة القتال المستمر والتدهور الاقتصادي. ونُقل عن المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، سيندي ماكين، قولها: “إن الجوع وسوء التغذية يهددان ملايين الأرواح في الوقت الراهن”، مشددة على حتمية توفير تمويل إضافي لضمان استمرار العمليات الإغاثية والوصول للفئات الأكثر هشاشة.
النساء والفتيات.. العبء الأكبر للأزمة
من جهته، حذر صندوق الأمم المتحدة للسكان، في تقرير أصدره يوم الجمعة، من التراجع المستمر في أوضاع النساء والفتيات بالسودان، واصفاً الوضع هناك بأنه يمثل إحدى أكبر الأزمات الإنسانية على مستوى العالم.
وأفاد التقرير بأن الفتيات والنساء يواجهن مخاطر متصاعدة تتعلق بالعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بالتزامن مع انهيار فرص الحصول على الرعاية الطبية الأساسية وخدمات الحماية. ولفت الصندوق إلى أن الحوامل يواجهن عقبات جسيمة للوصول إلى المستشفيات، مشيراً إلى أن النساء والأطفال يشكلون الكتلة الأكبر من النازحين الذين يعيشون في ظروف بيئية وإنسانية قاسية. كما نبه إلى وجود فجوة تمويلية حادة تقيد قدراته العملياتية، مؤكداً أن الموارد الحالية تظل دون مستوى الاحتياجات المطلوبة بشكل كبير خلال العام الجاري.
الانهيار الصحي وشبح الأوبئة
تتمدد تداعيات الصراع لتضرب البنية التحتية والخدمات الأساسية في البلاد؛ إذ تشير البيانات الأممية المتقاطعة إلى أن نحو 40% من المرافق الطبية والصحية باتت خارج الخدمة تماماً. يرافق ذلك افتقار نحو 17 مليون شخص لمياه الشرب الآمنة، ومعاناة قرابة 24 مليوناً من غياب خدمات الصرف الصحي الملائمة.
هذه البيئة المتدهورة تزيد من احتمالات تفشي الأوبئة والأمراض المعدية، مثل الكوليرا، والحصبة، والملاريا، وحمى الضنك، والتهاب الكبد الوبائي، والدفتيريا، فضلاً عن حالات الإسهال المائي الحاد، وهي أمراض تترصد بالدرجة الأولى الأطفال الصغار، والنساء الحوامل، والمرضعات.
النزوح يعبر الحدود والصراع هو المحرك
على صعيد اللجوء، كشفت أحدث إحصائيات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عن استمرار تدفقات السودانيين الفارين نحو دول الجوار، وتحديداً إلى تشاد وجنوب السودان. وأوضحت المفوضية أن موجات النزوح لم تتوقف رغم مرور أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، حيث تضطر عائلات كثيرة للنزوح المتكرر من منطقة إلى أخرى تبعاً لتغير خطوط المواجهة العسكرية وغياب الخدمات الحيوية.
وحذرت المفوضية من الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها المجتمعات والدول المستضيفة للاجئين في قطاعات التعليم والصحة والغذاء، في وقت تتسع فيه الاحتياجات مقابل شح التمويل الدولي المتاح.
وتجمع التقارير الدولية على أن القتال المستمر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يعد المحرك الأساسي لتفاقم هذه الأزمة، حيث تشكل العوائق أمام وصول المساعدات، وتدمير البنى التحتية، والتهجير القسري للسكان، نتائج مباشرة للعمليات العسكرية. وجددت الوكالات الأممية تأكيدها على أن حماية المدنيين وتأمين عبور الإغاثة دون عوائق يتطلبان التزاماً جاداً من أطراف النزاع بالقانون الإنساني الدولي، وتحييد المنشآت الخدمية عن دائرة الصراع.
خلاصة الأزمة: احتياجات تفوق الدعم
في المحصلة، وبالرغم من تنوع تخصصات الوكالات الأممية الثلاث، إلا أن تقاريرها الأخيرة التقت عند نتيجة واحدة: السودان يواجه واحدة من أضخم الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يتسارع الجوع والنزوح المقترنان بانهيار الخدمات، وسط فجوة آخذة في الاتساع بين المتطلبات المتزايدة والتمويل الدولي الممنوح.
وتؤكد المنظمات الدولية أن أي استجابة فعالة لإنقاذ ملايين السودانيين من خطر تدهور أكبر في النصف الثاني من عام 2026، تتوقف على شرطين أساسيين: ممرات إنسانية آمنة، وضخ تمويل مالي عاجل.




