أخبار السياسة المحلية

فولكر تورك يظفر بـ«ولاية ثانية» وسط عجز أممي عن حماية المدنيين في السودان

نيويورك – صقر الجديان 

يعكس تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام، على تجديد ولاية مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك لأربع سنوات جديدة، حالةً من الاستقطاب الحاد داخل أروقة المنظمة الدولية.

ولم تسلم فترة تورك، الذي يتولى المنصب منذ أكتوبر 2022، من سهام المنظمات الحقوقية نفسها؛ إذ واجه اتهامات بالتردد والدبلوماسية الزائدة في ملفات حساسة مثل حرب السودان وملف الأويغور في الصين وحرب أوكرانيا، وتحاشيه استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية” صراحةً عند تعاطيه مع حرب غزة.

وينتظر أن تبدأ فترة المفوض الجديدة في 12 أكتوبر 2026 حيث عاد مجددًا للتربع على المنصب بعد حصوله على 144 صوتًا.

وفي سياق النزاع المسلح المشتعل في السودان منذ أبريل 2023، تتمثل مهام المفوض السامي في توثيق الانتهاكات والجرائم المرتقبة من طرفي النزاع (الجيش السوداني وقوات الدعم السريع).

كما أن عليه دعم لجان التقصي والتحقيق الدولية المستقلة، إضافة إلى المساءلة الدولية والحث على فرض عقوبات على منتهكي القانون الدولي الإنساني، بجانب التنبيه إلى الكارثة الإنسانية ومخاطر التطهير العرقي، خاصة في دارفور والمناطق المحاصرة.
لكن أداء تورك، في الملف السوداني بحسب المراقبين كان يتسم بـ “الرصد الشديد والتقصير في آليات الفاعلية”، حيث ركّزت المفوضية على إصدار البيانات وتحذيرات الكوارث دون القدرة على إيجاد آليات حماية ميدانية للمدنيين أو فرض مسارات ملزمة لإيقاف الانتهاكات، مما جعل الدور الحقوقي الأممي يبدو وكأنه “موثق” للمأساة.

أدوات المفوض

يقول مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية، د. إسماعيل الناير، إن تجديد ولاية مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، ينبغي ألا يُقرأ باعتباره حدثاً إدارياً أو تغييراً في شخص المسؤول الأممي فحسب، وإنما باعتباره مؤشراً على استمرار النهج الذي تتبناه الأمم المتحدة في إدارة ملفات حقوق الإنسان في مناطق النزاعات، ومن بينها السودان.

وبحسب رأيه فإن السؤال الحقيقي، ليس من يشغل المنصب، وإنما إلى أي مدى يمتلك هذا المنصب القدرة على التأثير في واقع معقد تحكمه اعتبارات القوة والمصالح الدولية أكثر مما تحكمه الاعتبارات القانونية والإنسانية.
واعتبر الناير أن التجربة السودانية خلال الحرب الحالية كشفت بوضوح حدود النظام الدولي في حماية المدنيين.

ولفت إلى توالي التقارير الأممية والبيانات الصادرة عن المفوضية السامية ومجلس حقوق الإنسان والمنظمات الدولية، ورصد انتهاكات خطيرة من قبل الدعم السريع، شملت القتل خارج القانون، والنزوح القسري، والاعتداء على المدنيين، وتدمير المرافق الخدمية، إلا أن حجم هذه الانتهاكات ظل أكبر بكثير من قدرة المؤسسات الدولية على وقفها أو ردع تلك القوات.

ومن وجهة نظره، فإن المشكلة لا تكمن في فولكر تورك أو في أي مفوض آخر، وإنما في طبيعة النظام الدولي نفسه، لجهة أن المفوض السامي يمتلك سلطة أخلاقية وقانونية في الرصد والتوثيق ورفع التقارير، لكنه لا يمتلك سلطة تنفيذية لإيقاف الانتهاكات أو فرض العقوبات أو تنفيذ قراراته.

ويرجع ذلك لأن معظم أدوات المفوض تنتهي عند حدود البيانات والإدانات والتوصيات، بينما تظل إجراءات التنفيذ رهينة بالتوافق السياسي بين القوى الكبرى، وهو توافق غالباً ما يكون غائباً في الأزمات الدولية.

وأبدى الناير ملاحظة بشأن الفجوة بين الرصد والتنفيذ حيث أصبحت أحد أبرز التحديات التي تواجه منظومة حقوق الإنسان.

واعتبر الجدل الذي صاحب تجديد ولاية فولكر تورك لا يتعلق بشخصه فقط، وإنما يعكس حالة الاستقطاب المتزايدة داخل النظام الدولي، لأن حقوق الإنسان لم تعد ملفاً قانونياً خالصاً، بل أصبحت جزءاً من أدوات الصراع الجيوسياسي، حيث تتداخل المبادئ مع المصالح، ويتداخل القانون مع حسابات النفوذ.

وقال إن الحرب في السودان أصبحت جزءاً من مشهد إقليمي ودولي تتنافس فيه مصالح قوى متعددة. وهذا الواقع يجعل ملف حقوق الإنسان أحد ميادين الصراع الدبلوماسي، وليس مجرد قضية إنسانية معزولة عن التوازنات الدولية.

وشدد على أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مراجعة أعمق لآليات عمل مجلس حقوق الإنسان والمفوضية السامية، بحيث لا تبقى الجهود محصورة في إصدار التقارير والإدانات، وإنما تتطور إلى بناء منظومة أكثر فاعلية في الإنذار المبكر، وحماية المدنيين، وتعزيز المساءلة الدولية، وربط التوثيق بإجراءات قانونية وسياسية أكثر تأثيراً.

البنية العاجزة

من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعات السودانية د. محمد إدريس أن النقد الموجه لتورك بشأن السودان يجب ألا يُفصل عن البنية العاجزة لمنظومة الأمم المتحدة نفسها.

ويعتقد إدريس في حديث لـ “سودان تربيون”، أن تورك يملك سلطة الأدبيات والتصريح، ولكنه يفتقر إلى السند التنفيذي من مجلس الأمن شديد الانقسام.

ويضيف: “بالتالي، فإن تجديد ولايته سيعني استمرار نفس النهج الإشاري والرصد دون نقلة نوعية في حماية المدنيين السودانيين”.

ويشير إلى أن تورك يتبع دائمًا سياسة المسك من المنتصف لتفادي إغضاب القوى الكبرى، وهو ما ظهر في عدم استخدامه مصطلح الإبادة الجماعية صراحةً في بعض الملفات المعقدة كـ غزة وأجزاء من دارفور، مفضلاً المصطلحات الأكثر عمومية مثل “جرائم حرب” أو “جرائم ضد الإنسانية”. هذا الحذر الحسابي يُضعف -حسب إدريس- من قوة الردع الأخلاقي للمنصب.

وتوقع أن يعاني الملف السوداني خلال ولاية تورك الثانية من خطر الاعتياد والنسيان أمام تلاحم الأزمات العالمية الأخرى.

وشدد على أن مهمة الرجل الحقيقية تكمن في إعادة تدوير الملف السوداني داخل الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، وخلق ربط مباشر بين العون الإنساني والضغط الحقوقي.

تقاطعات واعتراضات

وشهدت عملية التجديد اعتراضًا أمريكيًا واضحًا حيث اعتمدت واشنطن على حجج إجرائية منتقدةً التسرع وعقد الصفقات الشفافة، إلا أن التهديد بإعادة تقييم التمويل والانخراط يشير إلى استياء عميق من عدم استجابة المفوضية لبعض التوجهات السياسية الأمريكية، لا سيما في ملفات الشرق الأوسط وإسرائيل.

أما الموقف الروسي، فقد جاء في محاولة لتقزيم التجديد ليقتصر على بضعة أشهر حتى ديسمبر 2026 لربطه بنهاية ولاية الأمين العام أنطونيو غوتيريش.

فيما كان التخوف الروسي يكمن في إبقاء ملفات النزاع في أوكرانيا تحت المجهر الحقوقي الدولي لسنوات قادمة.

وكان لافتاً الاعتراض الإسرائيلي المباشر في سياق التقارير الانتقادية الصادرة عن المفوضية بشأن حرب غزة، ورغبة تل أبيب في استغلال أي تغيير قيادي لتقليل الضغط الدولي عليها.

في المقابل، تمثل الدعم الغربي والمجموعات الداعمة في تصريحات المندوب الفرنسي الذي وصف تورك بـ “صوت الضمير”، مستندًا إلى معايير الحياد والصرامة، وهي محاولة لإضفاء مساحة من الاستقلالية على المنصب في وجه ضغوط القوى العظمى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى