ما بعد البنادق.. صراع النفوذ يضع تحالف البرهان ومناوي أمام أصعب اختبار
من تحالف عسكري فرضته الحرب إلى خلاف على ترتيبات ما بعدها.. التوتر بين الجيش وحركات دارفور يفتح أسئلة حول السلطة واتفاق جوبا ومستقبل الإقليم
تقرير تحليلي | صقر الجديان
لم يعد السؤال داخل المعسكر الذي يقاتل إلى جانب الجيش السوداني متعلقاً فقط بمن يتقدم في الميدان ومن يتراجع، بل بدأ ينتقل تدريجياً إلى سؤال أكثر حساسية: من سيجلس إلى الطاولة عندما تبدأ ترتيبات اليوم التالي للحرب؟
الحرب جمعت البرهان ومناوي أمام خصم واحد.. لكن معركة اليوم التالي قد تضعهما أمام سؤال أصعب: من يملك النفوذ عندما تصمت البنادق؟
هذه المفارقة تختصر جانباً مهماً من التوتر المتصاعد بين رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وحاكم إقليم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي. فالرجلان اللذان جمعتهما ضرورات الحرب ومواجهة قوات الدعم السريع، يجدان نفسيهما اليوم أمام حسابات مختلفة عندما يتعلق الأمر بمستقبل السلطة، وموقع الحركات المسلحة، ووزن دارفور في أي تسوية سياسية مقبلة.
ولا تتوافر حتى الآن بيانات رسمية من الطرفين تثبت جميع التفاصيل المتداولة بشأن حجم الخلاف أو القرارات العسكرية المنسوبة إليهما. لكن مؤشرات معلنة توفر سياقاً سياسياً مهماً؛ فالبرهان تحدث في مايو عن التحضير لـ«حوار سياسي شامل» يرسم هيكل الحكم ومسار الانتقال، بينما أعلن مناوي في يوليو أن ما نُفذ من اتفاق جوبا للسلام لا يتجاوز 5%، متمسكاً بالاتفاق ورافضاً الدعوات إلى تعديله.
وبين هذين الموقفين تظهر معركة أخرى خلف المعركة العسكرية: معركة تحديد من يملك النفوذ في السودان بعد الحرب.
تحالف الحرب يصل إلى حدود السياسة
منذ انتقال عدد من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا من الحياد إلى المشاركة العسكرية إلى جانب الجيش، بدا أن الحرب أعادت تشكيل التحالفات السودانية بطريقة لم تكن ممكنة قبل أبريل 2023.
لكن التحالفات التي تنشأ تحت ضغط الحرب لا تتحول بالضرورة إلى شراكات سياسية مستقرة.
فالمعلومات المتداولة في دوائر سياسية سودانية تتحدث عن اتجاه داخل معسكر الجيش نحو إعادة صياغة العملية السياسية، بما قد يؤدي إلى تقليص الاعتماد على معادلة المحاصصة التي منحت الحركات المسلحة نفوذاً واسعاً عقب اتفاق جوبا. وهنا تظهر المشكلة الأساسية بالنسبة لمناوي.
فبالنسبة إلى حركة تحرير السودان، لا تمثل المشاركة في السلطة مجرد مكافأة سياسية، وإنما تُقدَّم باعتبارها جزءاً من استحقاقات اتفاق سلام أعاد توزيع بعض النفوذ بين المركز والأقاليم. لذلك فإن أي محاولة لإعادة بناء النظام السياسي خارج هذه المعادلة قد تُقرأ داخل الحركات باعتبارها تراجعاً عن اتفاق جوبا نفسه.
وتزداد أهمية المسألة مع إعلان البرهان في مايو عزمه إطلاق حوار داخلي لتحديد «هيكل سياسي» جديد للبلاد، وهو ما يعني أن النقاش حول ترتيبات ما بعد الحرب لم يعد افتراضياً بالكامل.
لذلك قد لا يكون الخلاف بين البرهان ومناوي خلافاً شخصياً بقدر ما يعكس تضارباً بين مشروعين: قيادة عسكرية تريد توسيع قدرتها على إعادة ترتيب المجال السياسي، وحركات مسلحة تريد ضمان ألا تنتهي الحرب بإضعاف المكاسب السياسية التي حصلت عليها بموجب اتفاق جوبا.
الميدان يتحول إلى ورقة في مفاوضات النفوذ
في قلب التوتر تظهر قضية أكثر حساسية: الأداء العسكري لقوات مناوي.
فوفق المعلومات المطروحة بشأن الخلاف، يوجد استياء داخل دوائر عسكرية من مستوى مشاركة قوات الحركة وفاعليتها في بعض العمليات مقارنة بما حصلت عليه من دعم مادي ولوجستي.
وفي المقابل، تتداول أوساط سياسية وعسكرية معلومات عن تقليص أو سحب مناوي بعض قواته من محاور قتالية بالتزامن مع تدهور علاقته بالبرهان. ولا تتوافر حتى الآن أدلة علنية كافية تسمح بالجزم بحجم هذه التحركات أو دوافعها، ولذلك تبقى هذه الجزئية في إطار المعلومات التي تحتاج إلى تأكيد مستقل.لكن أهميتها السياسية تتجاوز التفاصيل الميدانية نفسها.
فإذا كانت قيادة الجيش تعتبر أن وزن الحركات في السلطة بعد الحرب يجب أن يتناسب مع مساهمتها العسكرية، فإن تقييم أداء قوات مناوي يتحول تلقائياً من مسألة عسكرية إلى ورقة سياسية.
وهنا يصبح السؤال: هل الخلاف فعلاً حول عدد المقاتلين والمحاور العسكرية، أم أن الحديث عن الأداء العسكري أصبح مدخلاً لمعركة أكبر حول المناصب والنفوذ؟
هذه النقطة تكتسب أهمية إضافية في ظل معلومات عن رفض البرهان منح مناوي موقعاً سياسياً بارزاً في الترتيبات المقبلة، وربط ذلك بما تعتبره دوائر قريبة من الجيش مشاركة عسكرية أقل من المتوقع.
وبهذا المعنى، تصبح ساحات القتال جزءاً من مفاوضات غير معلنة بشأن السلطة: من قاتل؟ وبأي حجم؟ وما الثمن السياسي الذي يمكن أن يطالب به لاحقاً؟
اتفاق جوبا يعود إلى قلب الأزمة
بالنسبة لمناوي، تبدو المسألة أوسع من موقع شخصي في السلطة.
فهو أعلن أخيراً أن نسبة تنفيذ اتفاق جوبا للسلام لم تتجاوز 5%، مشيراً إلى أن الحرب عطلت، من بين ملفات أخرى، عملية دمج قوات الحركات المسلحة في الجيش، كما رفض الدعوات إلى تعديل الاتفاق.
هذا الموقف يفسر جانباً من الحساسية تجاه أي مسار سياسي جديد.
فاتفاق جوبا ليس مجرد وثيقة سلام بالنسبة للحركات الموقعة عليه؛ إنه أيضاً الإطار القانوني والسياسي الذي أعاد تعريف موقعها داخل مؤسسات الدولة.
ومن ثم، فإن تقليص حضور مناوي في ترتيبات المرحلة المقبلة قد يفتح سؤالاً يتجاوز الرجل وحركته: هل ستبقى استحقاقات اتفاق جوبا جزءاً من النظام السياسي بعد الحرب، أم ستعاد صياغتها بالكامل؟
وهذا السؤال يهم حركات أخرى، بما فيها حركة العدل والمساواة وبقية الفصائل الموقعة على الاتفاق.
فإذا أصبح معيار النفوذ الجديد قائماً على تقييم الجيش للدور العسكري خلال الحرب بدلاً من الاستحقاقات المنصوص عليها في اتفاق جوبا، فإن جميع الحركات قد تجد نفسها أمام معادلة مختلفة.
كما أن محاولة إعادة توزيع المواقع بين القوى المتحالفة مع الجيش يمكن أن تخلق تنافساً داخلياً بينها، خصوصاً إذا تقلص عدد المقاعد والمناصب المتاحة في المرحلة الانتقالية المقبلة.
وهكذا يمكن لخلاف البرهان ومناوي أن يتحول من نزاع ثنائي إلى اختبار كامل للعلاقة بين المؤسسة العسكرية وشركائها المسلحين.
دارفور.. الخط الذي يصعب على مناوي تجاوزه
لكن أكثر نقاط الخلاف حساسية تظل مرتبطة بدارفور.
فمناوي ينظر إلى موقعه السياسي باعتباره مرتبطاً أيضاً بموقع الإقليم داخل الدولة، وليس فقط بقيادة حركة مسلحة. ومن هذه الزاوية، تظهر مخاوف داخل معسكره من أن تؤدي بعض تصورات الحل السياسي إلى تقليص وزن دارفور أو تجاوز الملفات التي تعتبرها الحركات جوهرية في أي تسوية.
وتزداد هذه المخاوف في وقت ما زالت فيه مناطق واسعة من دارفور تمثل إحدى ساحات الحرب الرئيسية، بينما يصر مناوي على استمرار العمليات لاستعادة ما تبقى من الإقليم. وقد أكد في تصريحات سابقة أن القوات المشتركة تواصل السيطرة والقتال في مناطق دارفور، كما شدد على رفض استمرار الوضع العسكري القائم هناك.
بالنسبة إليه، فإن الانتقال إلى تسوية سياسية لا تحفظ وضع دارفور واستحقاقات اتفاق جوبا قد يعني أن الحركات دفعت كلفة الحرب ثم فقدت جزءاً من نفوذها عند توزيع مكاسب السلام.
وهذا تحديداً ما يجعل ملف الإقليم خطاً أساسياً في الخلاف.
أما من زاوية قيادة الجيش، فإن مرحلة ما بعد الحرب قد تتطلب إعادة بناء مركز سياسي أكثر قدرة على إدارة الدولة، وربما تقليص نظام تعدد مراكز القوة المسلحة الذي تشكل خلال السنوات الماضية.
بين المنظورين تكمن معضلة يصعب تجاوزها: الجيش يريد دولة أكثر مركزية في قرارها العسكري والسياسي، بينما تخشى حركات دارفور أن تتحول «إعادة بناء الدولة» إلى عودة تدريجية لهيمنة المركز على حساب الأقاليم.
لهذا فإن الأزمة الحقيقية ليست فقط حول مناوي، وإنما حول تعريف الدولة التي ستخرج من الحرب.
اليوم التالي للحرب.. الاختبار الأصعب
حتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية للقول إن التحالف العسكري بين الجيش وحركات دارفور يتجه حتماً إلى الانهيار.
فالطرفان ما زالا يواجهان خصماً مشتركاً، كما أن تكلفة الانفصال العسكري في ظل استمرار الحرب ستكون مرتفعة على الجميع.
لكن استمرار التباينات السياسية يمكن أن ينتج ثلاثة مسارات محتملة.
الأول هو احتواء الخلاف عبر تفاهم مباشر بين البرهان ومناوي يضمن استمرار التعاون العسكري مقابل تفاهمات حول اتفاق جوبا وموقع الحركات في المرحلة المقبلة.
والثاني هو إعادة صياغة التحالف بحيث تبقى الحركات شريكاً عسكرياً للجيش، ولكن بوزن سياسي أقل في مؤسسات ما بعد الحرب، وهو خيار قد تقاومه قيادات ترى أن مشاركتها العسكرية والسياسية تمنحها استحقاقات لا يمكن تجاوزها.
أما السيناريو الثالث فهو اتساع الفجوة السياسية لتتحول تدريجياً إلى أزمة عسكرية، خصوصاً إذا تزايد سحب القوات من المحاور أو تحول التنافس على السلطة إلى صراع مفتوح حول الشرعية والنفوذ ودارفور.
تبقى هذه سيناريوهات مفتوحة وليست نتائج محسومة.
لكن المؤكد أن الحرب التي جمعت البرهان ومناوي أمام خصم واحد لم تلغِ التناقضات القديمة بين الجيش والحركات المسلحة، وإنما أجلتها.
والآن، مع بدء التفكير في شكل السودان بعد الحرب، تعود تلك التناقضات بصورة أكثر تعقيداً.
ففي الحروب قد يكون تحديد العدو كافياً لبناء تحالف، أما عند اقتراب السياسة فإن السؤال يصبح مختلفاً تماماً:
من سيحكم، ومن سيحصل على النفوذ، وأين ستكون دارفور في الدولة التي يراد بناؤها بعد توقف البنادق؟
اقرأ ايضا
«الزج باسم الإمارات في صراع لا صلة لها به».. النيابة تكشف تفاصيل قضية العتاد العسكري للسودان




