حوارات وتقارير

قنابل الكلور في هواتف الضباط.. الجيش يحوّل مياه الشرب إلى سلاح محظور

وثائق سرية ومراسلات تكشف برنامج تصنيع واختبار وتخزين ذخائر كيميائية بعلم القيادة.. فهل تساوى طرفا الحرب في جرائم لا تسقط بالتقادم؟

الخرطوم | صقر الجديان

لم يعد الجدل حول جرائم الحرب في السودان محصوراً في القصف العشوائي والتهجير والتجويع. تحقيقات استقصائية نشرتها «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» في مطلع سبتمبر 2026، استناداً إلى ملف استخباراتي سري، أعادت فتح ملف أخطر: اتهام الجيش السوداني بتطوير وإنتاج ذخائر تعتمد على غاز الكلور السام خلال عام 2024، واختبارها في الصحراء، وتخزين مئات منها، ثم محاولة طمس آثار البرنامج بعد العقوبات الأميركية. السؤال الذي يطرحه الملف ليس تقنياً فحسب: هل تساوى طرفا الحرب في ارتكاب جرائم محظورة دولياً، أم أن استخدام سلاح كيميائي يضع المؤسسة العسكرية في مرتبة قانونية مختلفة؟​

الملف الذي اطّلعت عليه الصحيفتان يضم نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو وتسجيلاً صوتياً، إضافة إلى آلاف الرسائل النصية. ويبدو أن جزءاً كبيراً منه مأخوذ من هواتف ضباط سودانيين كبار. وقد راجع خبراء في الأسلحة والأدلة الرقمية ومسؤولون استخباريون غربيون المواد واعتبروها مؤشرات ذات مصداقية على وجود برنامج كيميائي، مع التشديد على أن التحقق الميداني المباشر داخل السودان يظل ضرورياً للوصول إلى نتيجة حاسمة.

الجيش نفى الاتهامات ووصفها بأنها «لا أساس لها»، وهدد بملاحقة قانونية، فيما سبق أن شكّل لجنة داخلية خلصت في تقرير أولي إلى عدم العثور على آثار تلوث كيميائي.​

وثائق هواتف الضباط تكشف تصميم القنبلة ومراحل الإنتاج والاختبار

بحسب الوثائق، برز اسم العميد طارق حسين باعتباره المشرف على المشروع. في يوليو 2024، اقترح تحويل غاز الكلور إلى سلاح يمنح الجيش أفضلية في معركة الخرطوم، بعد أن استعصى فكّ الحصار داخل أحياء مكتظة يتحصن فيها مقاتلو قوات الدعم السريع.

المخططات التي جرى تداولها تصف ذخيرة «مزدوجة التأثير»: رأس متفجر يُضاف إليه نحو 15 كيلوغراماً من غاز الكلور، بحيث يقتل بالشظايا أو بالاختناق، فيما يساعد الانفجار نفسه على تشتيت الأثر الكيميائي ويصعّب الرصد اللاحق لطبيعة السلاح.​

تشير المواد إلى أن الإنتاج بدأ في الشهر نفسه. في 22 يوليو 2024 أقلعت طائرة شحن من طراز أنتونوف من مطار مروي شمال الخرطوم لاختبار النموذج في منطقة صحراوية. وبعد التجربة أبلغ حسين، وفق رسالة معترضة استشهدت بها التحقيقات، أن الاختبار «نجح بنسبة 100%»، مرفقاً مقطعاً يظهر انفجاراً وسحابة صفراء يربطها خبراء بغاز الكلور. وثائق لاحقة تتحدث عن تسربات أثناء التصنيع، بينها العثور على حشرات وعقارب نافقة داخل منشأة، في إشارة محتملة إلى تسرب الغاز داخل موقع العمل.​

بحلول أكتوبر 2024 أفاد المشرف على المشروع بأنه أنتج قرابة 300 ذخيرة كيميائية، خُزّن معظمها في مطار مروي. رسائل أخرى تشير إلى استخدام أكثر من مئة قنبلة، بينها اتهامات بقصف مواقع تابعة للدعم السريع قرب مصفاة الجيلي شمال الخرطوم في سبتمبر 2024، مع عبارات ميدانية وصفت لاحقاً بأنها توثّق أثر الغاز على المقاتلين.

الولايات المتحدة كانت قد أعلنت في يناير 2025 أن الجيش استخدم أسلحة كيميائية في مناسبتين على الأقل، وفرضت عقوبات على قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، استناداً إلى ما وصفته بمعرفة مباشرة بالمشروع. التحقيقات الجديدة تقول إن رسائل صوتية ونصية شارك فيها البرهان تعزز هذا الاستنتاج.​

من محطات المياه إلى المجهود الحربي.. ثم أمر بـ«محو كل الآثار»

أحد أخطر محاور الملف ليس تصميم القنبلة فحسب، بل مصدر المادة. الوثائق تتحدث عن تحويل أسطوانات كلور كانت مخصصة لتنقية مياه الشرب ومكافحة تفشي الكوليرا، بينها كميات مرتبطة بمحطة المنارة لمعالجة المياه في أم درمان، كانت جهات إغاثية دولية قد وفّرتها للاستخدام المدني.

كما تشير إلى إدخال نحو 20 أسطوانة عبر حدود دولة مجاورة في أواخر أغسطس 2024، قيل إنها تكفي نظرياً لتصنيع مئات الذخائر. تحويل مادة إنسانية إلى ذخيرة عسكرية يضع الملف في دائرة الاستخدام المزدوج للموارد المدنية، ويرفع مستوى الاتهام من مخالفة عسكرية إلى انتهاك يمس قوانين الحرب والمساعدات.​

بعد العقوبات الأميركية، تظهر المراسلات المعترضة توجيهاً يُنسب إلى القيادة بـ«إزالة كل الآثار». وفي وقت لاحق ضمّت اللجنة التي شكّلها البرهان للتحقيق في الاتهامات الأميركية العميد طارق حسين نفسه ضمن مستشاريها، ثم قالت اللجنة في تقريرها الأولي إنها لم تعثر على أثر لأسلحة كيميائية. هذا التداخل بين المتهم بالبرنامج والمستشار في التحقيق عليه يضعف، في نظر مراقبين، أي ادعاء بالاستقلال الداخلي، ويزيد الضغط على بورتسودان في المحافل الدولية، بما في ذلك مطالبات بعرض الملف على منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.​

المعطيات تفتح نقاشاً أوسع من مجرد نوع السلاح. استخدام الكلور، حتى إن اعتبره البعض سلاحاً «بدائياً» مقارنة بغازات أعصاب، محظور بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي السودان طرف فيها. وهو يفتح في الوقت ذاته ملف العقيدة التي تدير الحرب: دور الكتائب الإسلامية المتحالفة مع الجيش، وطبيعة القرار السياسي داخل المؤسسة العسكرية، ومدى استعداد القيادة لكسر الجمود الميداني بأي ثمن.

مقارنة الجرائم بين الجيش والدعم السريع لا تلغي مسؤولية أي طرف؛ فالدعم السريع متهم بفظائع واسعة في دارfur والجزيرة، لكن إنتاج سلاح كيميائي وتخزينه واستخدامه، إن ثبت ميدانياً، يضع الجيش أمام تهمة مختلفة: ليس فقط ارتكاب فظائع في ساحة المعركة، بل بناء برنامج محظور ثم محاولة طمسه.

الخبراء الذين راجعوا المواد لم يعلنوا الحكم النهائي. قالوا إن الملف متماسك زمنياً وتقنياً، وإن الصور والفيديوهات والرسائل تبدو متسقة، لكن إثبات الاستخدام داخل أحياء مأهولة أو تحديد عدد الضحايا المدنيين يحتاج إلى تحقيق مستقل على الأرض، وأخذ عينات، واستجواب سلسلة القيادة. إلى أن يحدث ذلك، يبقى السؤال معلقاً فوق الحرب السودانية: هل كان الكيماوي مجرد أداة لكسر الجمود في الخرطوم، أم علامة على انزلاق أعمق نحو تطهير ميداني لا يعترف بخطوط القانون الدولي؟

اقرأ ايضا

مصادر : (4) دولارات للدعم السريع عن كل برميل نفط عبر هجليج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى