أخبار السياسة المحلية

كيف تؤثر العقوبات الأميركية الجديدة على اقتصاد السودان؟

الخرطوم – صقر الجديان

أثار قرار الولايات المتحدة تطبيق حزمة العقوبات الإضافية على السودان، والتي دخلت حيز التنفيذ اعتبارًا من اليوم الإثنين، جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والمصرفية، وسط مخاوف من انعكاسات سلبية على اقتصاد متهالك.

وتنص العقوبات المطبقة على السودان تحت مزاعم استخدام سلاح كيميائي في الحرب الحالية، على معارضة حصول السودان على أي قروض أو مساعدات مالية أو فنية عبر المؤسسات المالية الدولية.

كما تفرض حظراً على تصدير معظم السلع والتقنيات الأميركية إلى السودان، باستثناء المواد الغذائية وبعض السلع ذات الطابع الإنساني.

وتقول الإدارة الأميركية إن الحكومة السودانية لم تستوفِ شروط قانون مكافحة الأسلحة الكيميائيةوالبيولوجية والقضاء على الحرب الكيميائية خلال مهلة امتدت لثلاثة أشهر.

وأكدت الولايات المتحدة أن هذه العقوبات ستظل سارية لمدة عام واحد على الأقل، ولن يتم رفعها إلا إذا رأت الإدارة الأمريكية أن السودان استوفى الشروط القانونية المطلوبة واتخذ الإجراءات التي يفرضها القانون الأمريكي في هذا الملف.

وتنفي الحكومة السودانية استخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وشكلت لجنة وطنية للتحقيق في هذه المزاعم، كما طالبت الولايات المتحدة مراراً بالكشف عن الأدلة التي تستند إليها.
تداعيات عميقة
وحذر خبراء اقتصاديون ومصرفيون من تداعيات قد تكون كبيرة على الاقتصاد السوداني، خاصة أنها تحول دون تعامل السودان مع المؤسسات المالية الدولية، الأمر الذي قد يفاقم الضغوط الاقتصادية ويزيد من معاناة المواطنين.

ويقول المحلل المصرفي وليد دليل إن البعد المالي المباشر هو الأخطر من الناحية المصرفية، فمعارضة واشنطن لأي تمويل من المؤسسات الدولية والمصارف الإنمائية تعني عملياً إغلاق أي مسار لإعادة هيكلة الديون أو الحصول على تسهيلات من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، في وقت يعاني فيه بنك السودان المركزي أصلاً من شح الاحتياطيات واعتماده على أدوات بديلة كالحقن الدولاري وتراخيص الاستيراد المدعومة بالذهب.

وأضاف أن ذلك “يعمّق الفجوة بين السعر الرسمي والموازي بدلاً من تضييقها”.

وأشار إلى أن حظر تصدير التقنيات قد ينعكس مباشرة على البنية التحتية المصرفية، خاصة إذا امتد “افتراض الرفض” ليشمل معدات أو برمجيات ذات استخدام مزدوج، وهو ما قد يصعّب تحديث نظم الدفع الوطنية مثل (EBS) والسويتش الوطني أو حتى صيانة الأنظمة القائمة.

وأضاف أن العزلة المصرفية الدولية ستتفاقم أيضاً، إذ ستزداد حدة تحفظ البنوك المراسلة العالمية في التعامل مع أي كيان سوداني، حتى وإن لم يكن مشمولاً بالعقوبات بصورة مباشرة، نتيجة سياسات الامتثال الصارمة، وهو ما قد يدفع السودان بصورة أكبر نحو استخدام بدائل مثل التسويات باليوان عبر بنك أم درمان الوطني، ويعزز الاتجاه إلى تقليل الاعتماد على الدولار كخيار اضطراري.

وتابع: “هناك جدل حقيقي حول ما إذا كانت هذه العقوبات تستهدف فعلياً الجهات المتهمة، أم أن آثارها ستنعكس بصورة أكبر على المواطن العادي والقطاع المصرفي الذي يخدم الاقتصاد الحقيقي”.

في المقابل، يرى المحلل الاقتصادي إبراهيم أونور أن قرار العقوبات “لا جدوى منه، ولا يعدو كونه فرقعة إعلامية”، مستشهداً بضعف حجم التبادل التجاري بين السودان والولايات المتحدة.

وأوضحت أن إجمالي الصادرات والواردات بين البلدين خلال عام 2025 بلغ نحو 49 مليون دولار، منها 36 مليون دولار صادرات أمريكية إلى السودان تتمثل في مساعدات إنسانية تشمل الذرة والزيوت لمعسكرات النازحين في دارفور عبر معبر أدري على الحدود التشادية، فيما بلغت صادرات السودان إلى الولايات المتحدة نحو 13 مليون دولار، معظمها من الصمغ العربي، وهو سلعة مستثناة من العقوبات الأمريكية منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي.

وأضاف أن العقوبات الجديدة تستثني أيضاً المساعدات الإنسانية والصمغ العربي، وبالتالي فإن حجم التبادل التجاري بين البلدين محدود أصلاً، كما أنه لا توجد تقنيات أو تكنولوجيا أمريكية يعتمد السودان على استيرادها، فضلاً عن غياب أي منح أو قروض من المؤسسات المالية الدولية منذ منتصف التسعينيات.

من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي هيثم محمد فتحي في حديثه لـ “سودان تربيون” أنه رغم خضوع السودان لعقوبات وضغوط اقتصادية منذ نحو ثلاثة عقود، فإن آثارها خلال الحرب الحالية تبدو أشد من أي وقت مضى، خاصة أنها تستهدف الاقتصاد في مرحلة تشهد البلاد فيها ظروفاً استثنائية.

وأضاف أن هذه العقوبات، رغم كونها أحادية الجانب وليست ذات صفة دولية، سيكون لها تأثير بالغ على الاقتصاد السوداني وعلى علاقاته المالية مع العالم، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة غالباً ما تدفع أطرافاً أخرى إلى الالتزام بالعقوبات التي تفرضها، أو المخاطرة بالتعرض لإجراءات مماثلة.

وأوضح أن المنظور الأميركي للعقوبات الاقتصادية يرتبط بتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى، ولا يولي اهتماماً كبيراً للتداعيات الإنسانية التي تلحق بالشعوب، مشيراً إلى أن استمرار العقوبات لفترات طويلة ينعكس سلباً على الأداء الاقتصادي الكلي ويزيد من معاناة المواطنين.

وحذر من أن العقوبات قد تهدد قدرة الحكومة على حشد التمويل الخارجي اللازم لإدارة شؤون البلاد، لا سيما مع بدء تنفيذ خطط إعادة الإعمار وإعادة بناء ما دمرته الحرب، متوقعاً تراجع التحويلات الدولية ومنح المانحين، وتقلص الاستثمارات حتى في حال توقف الحرب، بما قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في قيمة العملة المحلية وتفاقم الأزمة المعيشية وارتفاع معدلات الفقر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى