كيماوي الجيش السوداني على طاولة الأمم المتحدة.. واشنطن تجدد اتهاماتها وضغوط أوروبية لكشف نتائج التحقيقات
النرويج والسويد وبريطانيا تطالب بالتعاون الدولي وكشف نتائج التحقيقات
تقرير | صقر الجديان
عادت الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب إلى واجهة النقاشات الدولية داخل الأمم المتحدة، بعدما جددت الولايات المتحدة اتهاماتها للحكومة السودانية باستخدام أسلحة محظورة دولياً، بالتزامن مع مواقف أوروبية متصاعدة تطالب السلطات القائمة في بورتسودان بالتعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والكشف عن نتائج التحقيقات المتعلقة بهذه الاتهامات.
وتضع هذه التطورات ملف الأسلحة الكيميائية في السودان أمام مرحلة جديدة من التدقيق الدبلوماسي، مع انتقال النقاش من مجرد التعبير عن القلق إزاء التقارير والاتهامات إلى المطالبة بإجراءات عملية تشمل التحقيق الفني المستقل، وتبادل المعلومات مع الجهات الدولية المختصة، وتوضيح الخطوات التي اتخذتها السلطات السودانية للتحقق من الوقائع المنسوبة إلى قواتها.
وجاءت المواقف الأميركية والأوروبية خلال اجتماعات اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي، والتي ناقشت في نيويورك يومي 19 و20 أكتوبر 2026 قضايا الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، والتحديات التي تواجه تنفيذ الاتفاقيات الدولية المنظمة لحظر أسلحة الدمار الشامل.
وتكتسب هذه المناقشات أهمية إضافية في ظل استمرار الحرب السودانية وتزايد المخاوف الدولية بشأن الانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين، فيما يظل إثبات استخدام أسلحة كيميائية، وتحديد طبيعة المواد المستخدمة والجهات المسؤولة عنها، مسألة تتطلب أدلة وتحقيقات فنية مستقلة. ولا تمثل الاتهامات التي تطرحها الدول، بحد ذاتها، حكماً قضائياً أو نتيجة تحقيق دولي نهائية.
واشنطن تتمسك باتهامات استخدام الكيميائي وتعيد الملف إلى الأمم المتحدة
خلال المناقشات الأممية، جددت الولايات المتحدة موقفها القائل إن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، معتبرة ذلك انتهاكاً للالتزامات الدولية المتعلقة بحظر استخدام هذه الأسلحة، وأثارت قضية السودان إلى جانب ملفات أخرى تتعلق بروسيا وإيران.
ويمثل تجديد الاتهامات استمراراً للموقف الذي أعلنته الإدارة الأميركية في مايو 2025، عندما كشفت عن توصلها إلى تحديد رسمي يفيد باستخدام الحكومة السودانية أسلحة كيميائية خلال عام 2024، استناداً إلى إجراءات تقييم أجرتها الجهات الأميركية المختصة.
وأعقب ذلك الإعلان اتخاذ تدابير عقابية بحق السودان بموجب التشريعات الأميركية المتعلقة بمراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على استخدامها في الحروب، في خطوة ربطت واشنطن فيها ملف الانتهاكات المزعومة بإجراءات اقتصادية ودبلوماسية.
وبحسب المعطيات الواردة بشأن مسار العقوبات، شهد يوليو 2026، توسيعاً للقيود المرتبطة بهذا الملف، شمل إجراءات إضافية تتعلق بالصادرات وبعض أشكال التمويل والمساعدات المقدمة عبر مؤسسات التنمية متعددة الأطراف، مع استثناءات مخصصة للاحتياجات الإنسانية الأساسية.
ويعني استمرار إثارة القضية داخل الأمم المتحدة أن الاتهامات الأميركية لم تعد محصورة في نطاق الإجراءات الثنائية بين واشنطن والخرطوم، بل أصبحت جزءاً من المناقشات متعددة الأطراف المتعلقة بمدى التزام الدول باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
كما يفتح تجديد الموقف الأميركي الباب أمام تساؤلات بشأن المعلومات والأدلة التي استندت إليها واشنطن في تحديدها السابق، ومدى إمكانية إخضاعها للمراجعة الفنية من جانب الجهات الدولية المختصة، خصوصاً أن المساءلة الدولية تتطلب التمييز بين التقييمات الوطنية التي تصدرها الحكومات والنتائج التي تتوصل إليها آليات التحقيق المستقلة.
وفي المقابل، تبرز أهمية تمكين السلطات السودانية من تقديم ردودها وأدلتها الفنية بشأن الاتهامات، بما يضمن أن يستند أي استنتاج بشأن المسؤولية إلى معلومات قابلة للتحقق، وليس إلى المواقف الدبلوماسية وحدها.
النرويج والسويد وبريطانيا تطالب بالتعاون الدولي وكشف نتائج التحقيقات
على الجانب الأوروبي، برز موقف النرويج خلال جلسة 19 أكتوبر، عندما أعربت المستشارة الرفيعة في بعثتها لدى الأمم المتحدة، سينه إميليه بيورنرو، عن استمرار قلق بلادها إزاء الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية في السودان، داعية السلطات السودانية إلى التعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وشدد الموقف النرويجي على أهمية الدور الذي تضطلع به المنظمة وأمانتها الفنية في حماية نظام الحظر الدولي، مؤكداً ضرورة دعم التحقيقات المستقلة والمساعدة الفنية وآليات تحديد المسؤولية، باعتبارها أدوات أساسية للحفاظ على مصداقية اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وتعكس الدعوة النرويجية اهتماماً يتجاوز مجرد الإدانة السياسية، إذ تركز على التعاون المؤسسي مع المنظمة الدولية المختصة، وتوفير الظروف التي تسمح بإجراء تقييم فني للاتهامات، وفق الإجراءات والاختصاصات المعتمدة دولياً.
وفي السياق نفسه، أعربت السويد عن قلقها البالغ إزاء التقارير المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية في السودان، مؤكدة ضرورة احترام الالتزامات المترتبة على انضمام السودان إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
ودعت ستوكهولم السلطات السودانية إلى اتخاذ تدابير ملموسة لضمان الامتثال للاتفاقية والتعاون الكامل مع المنظمة، مع التشديد على أهمية المساءلة وعدم الإفلات من العقاب حال ثبوت وقوع انتهاكات.
أما بريطانيا، فقد اتخذ موقفها منحى أكثر تحديداً، من خلال مطالبة السلطات السودانية بإعلان نتائج التحقيق الداخلي الذي أشارت إلى إجرائه بشأن الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية.
وتضيف هذه المطالبة بُعداً جديداً إلى الدعوات البريطانية السابقة لاستكمال التحقيق الوطني ومشاركة نتائجه مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إذ تطرح مسألة إتاحة النتائج للرأي العام والجهات المعنية، بما يسمح بفحص مدى جدية الإجراءات المتخذة وطبيعة الأدلة التي جرى جمعها.
وتؤكد المداولات التي وثقتها الأمم المتحدة في تقريرها الصادر يوم 20 أكتوبر أن ملف السودان كان حاضراً ضمن المناقشات الخاصة بالأسلحة الكيميائية، وأن الولايات المتحدة أعادت طرح اتهاماتها المتعلقة بعام 2024، في حين رفضت الدول المعنية الاتهامات الموجهة إليها.
تحقيق داخلي وأسئلة بشأن الشفافية
وكانت السلطات السودانية قد نفت الاتهامات الأميركية عند إعلانها في مايو 2025، ووصفتها بأنها غير صحيحة ولا تستند إلى أدلة معلنة، فيما أعلن رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، تشكيل لجنة وطنية للتحقيق في القضية.
وأرسلت الخرطوم كذلك موقفها الرافض للاتهامات إلى مجلس الأمن الدولي في رسالة رسمية بتاريخ 24 مايو 2025، تضمنت تأكيد وزارة الخارجية السودانية رفضها للاتهامات والإجراءات الأميركية المرتبطة بها.
لكن عودة الملف إلى اجتماعات الأمم المتحدة تثير تساؤلات بشأن مآلات التحقيق الوطني، وما إذا كانت نتائجه قد أُحيلت إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ومدى استعداد السلطات لإتاحة الأدلة والإجراءات المتبعة للفحص المستقل.
وفي مارس 2026، دعت الولايات المتحدة السودان، خلال اجتماعات المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إلى الإعلان عن أي منشآت إنتاج أو ذخائر كيميائية، والتعاون مع المنظمة للتحقق منها والتخلص منها وفق الالتزامات الدولية، محذرة من استمرار مخاطر استخدام هذه الأسلحة.
من العقوبات إلى المساءلة الدولية
ولا يقتصر أثر الاتهامات على الجانب السياسي، إذ دخلت القضية بالفعل مسار العقوبات الأميركية. فقد نشرت واشنطن قرارها الأول في السجل الفيدرالي يوم 27 يونيو 2025، قبل إعلان عقوبات إضافية دخلت حيز التنفيذ في 20 يوليو 2026، بعد أن خلصت السلطات الأميركية إلى عدم استيفاء السودان الشروط القانونية المطلوبة لتجنب المرحلة الثانية من العقوبات.
وتثير هذه الإجراءات مخاوف بشأن تداعيات القيود الاقتصادية والمالية على السودان، الذي يعاني أصلاً من أزمة إنسانية واقتصادية عميقة بسبب الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
ومع ذلك، فإن الانتقال من العقوبات الوطنية إلى إجراءات مساءلة دولية يتطلب مساراً قانونياً وفنياً مختلفاً، يعتمد على اختصاصات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وآليات التحقق المعتمدة، إلى جانب القرارات التي قد تتخذها الدول الأطراف في الاتفاقية أو الأجهزة الأممية المختصة.
ويكشف تجدد النقاش داخل الأمم المتحدة عن اتساع الأبعاد الدولية لملف الحرب السودانية، إذ لم تعد قضاياها محصورة في العمليات العسكرية والأزمة الإنسانية ومساعي وقف إطلاق النار، وإنما امتدت إلى الالتزامات الدولية الخاصة بحظر أسلحة الدمار الشامل.
وبين إصرار واشنطن على تقييمها السابق، والمطالبات الأوروبية بالتعاون والتحقيق، ورفض السلطات السودانية للاتهامات، تظل الحقيقة الفنية والقانونية هي العنصر الحاسم في تحديد مستقبل القضية، ومدى إمكان انتقالها من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى نتائج موثقة وإجراءات مساءلة واضحة.



