حوارات وتقارير

من المسيّرات إلى ذخائر «فتح».. كيف تمددت سلسلة الإمداد العسكري الإيراني للجيش السوداني؟

الإسلاميون والجيش.. تقاطع المصالح مع طهران

تقرير – صقر الجديان

لم تعد العلاقة العسكرية بين إيران والجيش السوداني مجرد احتمال تطرحه التحليلات الجيوسياسية. فمنذ استعادة الخرطوم وطهران علاقاتهما الدبلوماسية، تراكمت مؤشرات ميدانية وتقارير صحفية وبحثية حول وصول أسلحة وتقنيات إيرانية إلى القوات المسلحة السودانية، في وقت تبحث فيه قيادة الجيش عن مصادر تسليح تساعدها في حربها المستمرة ضد قوات الدعم السريع.

بدأت أبرز الأدلة العلنية بالظهور مع الطائرات المسيّرة الإيرانية التي دخلت ساحة القتال السودانية وأسهمت في تعزيز قدرات الجيش على الاستطلاع والضربات الجوية، ثم توسعت الأسئلة لاحقاً إلى شبكات أكثر تعقيداً لنقل الأسلحة عبر البحر الأحمر واليمن.

واليوم، يضيف ظهور ذخائر إيرانية الصنع تحمل تواريخ إنتاج حديثة بعداً جديداً إلى الملف، لأنه يثير احتمال أن خط الإمداد لم يكن شحنة طارئة فرضتها ظروف مرحلة معينة من الحرب، وإنما قناة تسليح قادرة على الاستمرار والتجدد.

القضية لذلك أكبر من نوع السلاح المستخدم.

مواد ذات علاقة

وثائق مسربة تكشف مسار التعاون العسكري بين الخرطوم وطهران

إنها تتعلق بكيفية إعادة الحرب السودانية تشكيل تحالفات بورتسودان الخارجية، وبالدور الذي يمكن أن تلعبه إيران في البحر الأحمر إذا تحولت العلاقة العسكرية الحالية إلى شراكة طويلة الأمد.

الجيش يستعين بإيران في حربه ضد الدعم السريع.. من المسيّرات إلى شبكة إمداد أوسع

برز الدور الإيراني بصورة واضحة خلال المراحل الأولى من استعادة الجيش لزمام المبادرة في بعض جبهات القتال.

وأفادت تقارير دولية، استناداً إلى مصادر عسكرية وإقليمية ودبلوماسية وتحليل صور الأقمار الصناعية وحركة الطيران، باستخدام الجيش السوداني طائرات مسيّرة إيرانية، بينها نماذج من عائلتي «مهاجر» و«أبابيل».

ومنحت المسيّرات القوات المسلحة قدرة إضافية على الاستطلاع ومهاجمة مواقع قوات الدعم السريع، خصوصاً خلال المعارك في الخرطوم وأم درمان.

وتزامن ذلك مع رصد رحلات شحن بين إيران وبورتسودان، ما عزز الشبهات بشأن وجود خط إمداد عسكري مباشر بين البلدين، رغم النفي السوداني السابق لتلقي أسلحة مباشرة من طهران.

وبذلك تحولت إيران بالنسبة إلى الجيش من دولة أعيدت معها العلاقات الدبلوماسية إلى مصدر محتمل لقدرات عسكرية يحتاج إليها بصورة عاجلة في حرب استنزاف طويلة.

وتزداد أهمية هذا الدعم بسبب طبيعة الحرب نفسها.

فالقتال بين الجيش والدعم السريع تحول بصورة متزايدة إلى حرب مسيّرات وضربات بعيدة المدى، وأصبحت القدرة على الحصول على الطائرات غير المأهولة والذخائر وقطع الغيار والتكنولوجيا المرتبطة بها عاملاً مؤثراً في ميزان القوة.

وفي سبتمبر 2026، قالت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان إن الدعم العسكري الخارجي والأسلحة المتطورة والطائرات المسيّرة أسهمت في استمرار الحرب وتعميق معاناة المدنيين، فيما وثقت سقوط أكثر من ألف قتيل نتيجة هجمات بالطائرات المسيّرة خلال النصف الأول من العام، ونسبت انتهاكات محتملة إلى طرفي النزاع.

وهذا السياق يجعل أي خط إمداد خارجي قضية تتجاوز العلاقة الثنائية بين الدولة الموردة والطرف المتلقي؛ فالأسلحة التي تدخل السودان أصبحت جزءاً من حرب تتزايد فيها الخسائر المدنية.

ذخائر «فتح».. ماذا يعني ظهور إنتاج 2025؟

يضيف ظهور مقذوفات إيرانية من طراز PG-7AT1 «فتح» بعداً مختلفاً إلى الأدلة المتعلقة بالتسليح.

فالصور والتوثيق الميداني المتداول الذي يظهر ذخائر تحمل علامات إيرانية وتاريخ إنتاج 2025 يستحق التحقيق لسبب رئيسي: تاريخ التصنيع.

إذا ثبتت أصالة العلامات والتاريخ ومسار حيازة المقذوفات، فإن إنتاجها خلال الحرب يعني أن الأمر لا يتعلق بالضرورة بمخزون إيراني قديم وصل إلى السودان قبل سنوات، وإنما بذخيرة حديثة التصنيع ظهرت لاحقاً داخل منظومة القوات التي تقاتل إلى جانب الجيش.

وهنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط: كيف وصلت ذخائر «فتح» إلى السودان؟

بل: متى وصلت، ومن نقلها، وهل كانت جزءاً من شحنات مباشرة من إيران أم مرت عبر طرف ثالث؟

وPG-7AT1 ذخيرة مضادة للدروع ضمن عائلة المقذوفات المستخدمة مع منظومات RPG-7، ولذلك فإن وجودها في السودان يمثل في المقام الأول مؤشراً على نوع إضافي من التسليح المتاح للقوات التي حصلت عليها.

ومع ذلك، فإن ظهور ذخائر حديثة الصنع في حرب شهدت انتهاكات واسعة ضد المدنيين يفرض سؤالاً مشروعاً بشأن الاستخدام النهائي للأسلحة الإيرانية وآليات الرقابة عليها، خصوصاً مع استمرار الاتهامات الموجهة إلى طرفي الحرب بتنفيذ هجمات ألحقت أضراراً بالمدنيين والبنية التحتية.

من طهران إلى بورتسودان عبر البحر الأحمر.. سلسلة الإمداد تتجاوز السلاح المباشر

الأكثر إثارة للانتباه في المرحلة الحالية هو أن شبكة الدعم المحتملة لم تعد تقتصر على خط «إيران – السودان».

فدراسة حديثة لمؤسسة «ذا سنتشري فاونديشن» قالت إن الحوثيين دخلوا هذه العلاقة بوصفهم شركاء لإيران منذ منتصف 2024 تقريباً، وإنهم نقلوا، وفق مصادر الدراسة، ما لا يقل عن ثلاث شحنات من الأسلحة الصغيرة والخفيفة إلى القوات المسلحة السودانية نيابة عن إيران.

وتشير الدراسة كذلك إلى ادعاءات بوجود عناصر حوثية في بورتسودان واستخدام المدينة مركزاً للنقل والخدمات اللوجستية والمالية، مع حركة أسلحة وأفراد عبر البحر الأحمر.

لكن المؤسسة نفسها تنبه إلى أن الأدلة المتراكمة، رغم أهميتها، ليست حاسمة في جميع تفاصيل هذه الشبكة.

وهذه النقطة ضرورية لفهم الملف بعيداً عن المبالغة.

هناك أدلة قوية على حصول الجيش السوداني على قدرات عسكرية إيرانية، وهناك تقارير بحثية متزايدة عن دور حوثي في شبكة الإمداد، لكن ليس كل ادعاء حول الأشخاص والمسارات والصفقات قد وصل إلى الدرجة نفسها من التحقق المستقل.

وتكتسب الحلقة اليمنية أهمية إضافية بسبب العلاقات المعقدة بين الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

وتشير تقارير فريق الرصد التابع لمجلس الأمن إلى وجود ترتيبات براغماتية بين تنظيم القاعدة والحوثيين في اليمن شملت، في مراحل سابقة، عدم الاعتداء وتبادل الأسرى وحركة الأسلحة.

كما يضع تقرير أممي حديث السوداني إبراهيم القوصي، المعروف أيضاً باسم خبيب السوداني، ضمن مجلس شورى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، ويصفه بأنه شخصية قيادية مؤثرة داخل التنظيم وعلى صلة بقيادة القاعدة المركزية.

لكن هذه المعطيات لا تكفي لإثبات أن القوصي هو الوسيط الذي ينقل الأسلحة الإيرانية إلى الجيش السوداني، ولا تثبت وجود تحالف عملياتي ثلاثي بين الجيش والحوثيين والقاعدة. الربط بين هذه الحلقات يحتاج إلى أدلة مستقلة أكثر تحديداً.

الإسلاميون والجيش.. تقاطع المصالح مع طهران

هناك عامل داخلي آخر لا يمكن تجاهله عند تحليل التقارب مع إيران: عودة الإسلاميين السودانيين إلى موقع مؤثر في الحرب.

وأظهرت تقارير دولية أن شبكات مرتبطة بالحركة الإسلامية والنظام السابق شاركت بآلاف المقاتلين إلى جانب الجيش، كما ساهمت في تدريب أعداد من المدنيين، بينما ينفي الجيش أنه يعمل تحت توجيه أي حزب سياسي.

وتشير مؤسسة «ذا سنتشري فاونديشن» إلى أن الدعم المرتبط بالشبكات الإيرانية استهدف أيضاً تشكيلات متطوعة تقاتل إلى جانب الجيش، ومن أبرزها كتيبة البراء بن مالك.

وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على شخصيات وكيانات مرتبطة بهذه الشبكات، مستشهدة، ضمن أسبابها، بعلاقات مع إيران وعمليات للحصول على أسلحة.

لكن وصف العلاقة الحالية بأنها «تحالف أيديولوجي» كامل بين الإسلاميين السودانيين وإيران يحتاج إلى حذر.

فتاريخ العلاقة بين الطرفين شهد تقارباً ثم قطيعة، كما أن الاختلافات المذهبية والسياسية بين الإسلاميين السودانيين وطهران لم تختفِ.

الأقرب إلى ما تسمح به الأدلة الحالية هو وجود تقاطع مصالح عسكري وسياسي: الجيش يحتاج إلى السلاح، والإسلاميون المتحالفون معه يريدون منع هزيمته، وإيران تمتلك منظومات عسكرية وشبكات إقليمية وتبحث تاريخياً عن توسيع مجال نفوذها.

البحر الأحمر.. الجائزة الجيوسياسية الأكبر

لا يمكن فصل الدعم العسكري عن موقع السودان الجغرافي.

يمتلك السودان ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر، وتطل بورتسودان على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مقابل الساحل اليمني الذي يشكل الحوثيون فيه قوة عسكرية رئيسية.

ومن هنا، فإن بناء علاقة عسكرية طويلة المدى مع السلطة الموجودة في بورتسودان يمنح إيران قيمة استراتيجية تتجاوز الحرب ضد الدعم السريع.

السؤال الذي يقلق خصوم طهران ليس فقط عدد المسيّرات أو البنادق التي وصلت إلى السودان، وإنما ما إذا كان الدعم الحالي يمكن أن يتحول مستقبلاً إلى نفوذ أمني أو لوجستي إيراني دائم على الساحل الأفريقي للبحر الأحمر.

ولا توجد حتى الآن أدلة علنية كافية للقول إن السودان تحول إلى قاعدة عسكرية إيرانية أو أن الجيش أصبح «ذراعاً» لطهران.

لكن توسع التعاون العسكري، إذا استمر، يمكن أن يمنح إيران نفوذاً متزايداً داخل مؤسسة عسكرية تسيطر على أهم الموانئ السودانية.

من شحنات الحرب إلى علاقة طويلة الأمد

تكشف الصورة المتراكمة أن الدعم الإيراني للجيش السوداني لم يعد ملفاً يمكن اختزاله في ظهور طائرة مسيّرة واحدة.

بدأت المؤشرات بطائرات إيرانية استخدمها الجيش في حربه ضد الدعم السريع، ثم ظهرت تقارير عن رحلات شحن وشبكات تسليح، وبعدها معلومات بحثية عن دخول الحوثيين إلى بعض مسارات الإمداد، وصولاً إلى توثيق ذخائر إيرانية حديثة الصنع في أيدي مقاتلين مرتبطين بالقوات المسلحة.

كل حلقة جديدة تزيد الحاجة إلى تتبع السلاح نفسه: المصنع، تاريخ الإنتاج، الجهة المصدرة، مسار الشحن، المستلم النهائي، ومكان الاستخدام.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لفرضية «سلسلة الإمداد المتصاعدة».

فإذا أمكن إثبات أن أسلحة إيرانية مصنعة خلال 2025 و2026 تستمر في الظهور داخل السودان، فإن ذلك سيعزز بقوة الاستنتاج بأن طهران لم تقدم مساعدة محدودة في مرحلة سابقة، بل إن قناة التسليح ظلت مفتوحة مع استمرار الحرب.

فالخطر الحقيقي لا يحتاج إلى المبالغة لإظهاره.

الحرب السودانية أصبحت ساحة تتدفق إليها الأسلحة والتكنولوجيا والمال من الخارج، وإيران أصبحت أحد اللاعبين في شبكة الدعم العسكري للجيش، بينما يزداد اعتماد طرفي النزاع على التقنيات بعيدة المدى في حرب وثقت الأمم المتحدة خلالها سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يتجاوز مصير الحرب نفسها هو: هل تستخدم بورتسودان الدعم الإيراني كحل عسكري مؤقت لمواجهة الدعم السريع، أم أن الحرب تفتح الباب أمام شراكة أمنية جديدة تمنح طهران موطئ قدم طويل الأمد على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر؟

الإجابة ستحدد ما إذا كانت الأسلحة الإيرانية في السودان مجرد فصل من فصول الحرب الحالية، أم بداية لتحول أوسع في خريطة التحالفات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

اقرأ أيضا

تحذير أممي من تعرض النازحين الجدد للأمراض في السودان جراء نقص التمويل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى