أخبار السياسة المحلية

استخدم مواد كيمائية محظورة في الحرب الأهلية

وثائق مسربة تكشف تورط الجيش السوداني

الخرطوم – صقر الجديان

كشفت تحقيقات صحفية موسعة نشرتها صحيفتا “نيويورك تايمز” و “واشنطن بوست” عن مئات الوثائق والصور والرسائل التي تقدم للمرة الأولى

برنامجاً مزعوماً داخل الجيش السوداني، لتصنيع ذخائر محملة بالكلور واختبارها وتخزينها واستخدام بعضها في الحرب الأهلية الدائرة منذ حوالي أربع سنوات في السودان.

ونشرت الصحيفتان في 5 سبتمبر/أيلول الجاري تحقيقين منفصلين استندا إلى ملفات ومراسلات ومواد داخلية، وقدمتا تفاصيل تتجاوز ما أعلنته واشنطن سابقاً عندما اتهمت السودان باستخدام أسلحة كيميائية وفرضت عقوبات على خلفية ذلك.

الجديد هذه المرة لا يتعلق باتهام الاستخدام وحده، بل بكيفية بناء البرنامج المزعوم وحجم مخزونه والضباط المرتبطين به، وصولا إلى مراسلات تقول إحدى الصحيفتين إنها تشير إلى علم قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بالمشروع، فيما ينفي الجيش السوداني الاتهامات، لكن انتقال جزء كبير من الأدلة المزعومة من الملفات الاستخباراتية المغلقة إلى المجال العام يضع الخرطوم أمام ضغط جديد، وقد يفتح الباب أمام تحركات دولية وعقوبات إضافية إذا تعززت الأدلة بتحقيق مستقل.

مخزون سري

وحصلت “واشنطن بوست” على وثائق ومقاطع فيديو ورسائل ومواد داخلية من مسؤولين أمنيين في الشرق الأوسط، تكشف مخزوناً سرياً من قنابل الكلور، ومواقع إنتاج واختبارات صحراوية وقوائم بأهداف محتملة، إضافة إلى جهود لاحقة لإخفاء آثار البرنامج.

وتشير الملفات إلى وجود ما يصل إلى 290 ذخيرة كيميائية، فيما ورد في محادثة تعود إلى أواخر 2024 أن مئات القنابل كانت مخزنة في قاعدة مروي الجوية وأن 106 منها استخدمت.

وتصف إحدى الوثائق ذخيرة تحمل نحو 15 كيلوغراما من الغاز و20 كيلوغراما من المتفجرات، فيما تشير وثيقة أخرى إلى أن تطوير تصميم جديد كان يستهدف إخفاء الدليل على الاستخدام الكيميائي. ولم تقدم الصحيفة هذه المواد باعتبارها دليلا قاطعا، فقد عرضتها على أكثر من 24 مسؤولا استخباراتيا ومفتشا وخبيرا في الأسلحة الكيميائية وحقوق الإنسان، ورأى عدد منهم أنها تقدم مؤشرات قوية وذات صدقية، مع التأكيد أن إثبات الاستخدام بصورة حاسمة يحتاج إلى الوصول إلى المواقع والشهود وأخذ العينات.

وفي اليوم نفسه، كشفت “نيويورك تايمز” عن ملف قالت إنه يضم نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو ورسالة صوتية، فضلا عن آلاف الرسائل النصية، معظمها مستخرج من هواتف مسؤولين عسكريين سودانيين كبار.

وبحسب الصحيفة، تصف المواد عملية امتدت نحو ستة أشهر خلال 2024 لتطوير وإنتاج ذخائر كيميائية. وتورد تفاصيل عن مشروع بدأ في يوليو/تموز لتطوير ذخيرة قائمة على الكلور، ثم اختبارها من طائرة «أنطونوف An-32» في منطقة مروي، مؤكدة أن رسالة أعقبت أحد الاختبارات ووصفته بأنه نجح «100 في المئة»، .

وبحلول أكتوبر/تشرين الأول، تشير المواد التي استندت إليها الصحيفة إلى إنتاج نحو 300 ذخيرة كيميائية، كان معظمها في مروي. لكن أكثر ما يرفع حساسية الكشف الجديد هو انتقاله من وصف عمليات فنية داخل وحدات عسكرية إلى مستوى القيادة.

وتقول “نيويورك تايمز” إن اتصالات صوتية ونصية اعترضت وتضمن بعضها تواصلا مع البرهان تشير إلى علمه المباشر بالمشروع المزعوم. كما تتحدث عن تعليمات لاحقة نسبت إليه لإزالة آثار الأنشطة بعد العقوبات الأميركية.

وتتقاطع هذه الجزئية مع ما نشرته “واشنطن بوست” عن رسالة تعود إلى سبتمبر/أيلول 2025، قال المسؤولون الذين قدموا الوثائق إنها هدفت إلى طمأنة البرهان بأن قاعدة كانت تخزن فيها الأسلحة أفرغت من “الآثار والبقايا”. لكن هذه المراسلات_ على خطورتها_ لا تعني وحدها إثبات أن البرهان أصدر أمرا باستخدام سلاح كيميائي، وهو تمييز ضروري بين العلم المزعوم بالبرنامج وبين المسؤولية عن قرار الاستخدام.

مصدر الكلور

ويفتح الملف مسارا آخر يتعلق بمصدر الكلور، إذ تشير المواد إلى استخدام مادة متاحة أصلا لأغراض مدنية، ولا سيما معالجة مياه الشرب. وتتحدث “واشنطن بوست” عن روايات مختلفة للمصدر، بينها شحنة من 20 خزان كلور قيل إنها وصلت عبر مصر، وأسطوانات مرتبطة بمحطات لمعالجة المياه. ووفقا لإحدى الروايات، كانت الكمية القادمة عبر مصر تكفي نظريا لإنتاج نحو 1100 قنبلة.

كما يظهر اسم محطة المنارة لمعالجة المياه ضمن المواد المنشورة، وكانت اليونيسف قد زودت هيئة مياه الخرطوم بالكلور لاستخدامه في ست محطات بين 2023 و2025، بينها المنارة، لكنها أكدت أنه لا يوجد في سجلاتها أي دليل على تحويل الكلور الذي قدمته أو إساءة استخدامه.

محو الآثار

رفض الجيش السوداني الاتهامات، وقال إن ما نشر يفتقر إلى أساس مادي، مستندا أيضا إلى كون السودان طرفا في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ 1999، كما شكل البرهان لجنة للتحقيق في الاتهامات، وانتهت النتائج السودانية المعلنة إلى عدم العثور على تلوث كيميائي أو إشعاعي استنادا إلى القياسات التي أجريت، غير أن التحقيق الداخلي لم يغلق الملف دوليا، إذ تطالب واشنطن بتعاون السودان مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والتحقق من المواقع والمنشآت والذخائر المشتبه بها.

تكمن أهمية ما نشرته الصحيفتان في أن الاتهام الأميركي السابق أصبح محاطا للمرة الأولى بتفاصيل علنية عن آلية تصنيع مفترضة ومخزون وأماكن اختبار ومراسلات وأسماء ومساع مزعومة لمحو الآثار، وهذا التحول قد يزيد الضغوط على الخرطوم، ويفتح المجال أمام عقوبات إضافية تستهدف أفرادا أو كيانات مرتبطة بالبرنامج المزعوم إذا تبنت واشنطن أو أطراف دولية أخرى ما تكشفه الوثائق أو عززته أدلة مستقلة. لكنه لا يعني أن عقوبات جديدة اتخذت بالفعل.

وبين وثائق تتراكم ونفي سوداني مستمر، تبقى الكلمة الفاصلة خارج الروايتين، فالوصول المستقل إلى المواقع والعينات والشهود هو ما يمكن أن يحول التسريبات إلى أدلة مثبتة، أو أن يسقط الاتهامات التي باتت تطارد الجيش وقيادته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى