حوارات وتقارير

السودان في قلب التنافس الإقليمي

كيف أسهم تضارب المصالح في تعقيد مسار الأزمة

الخرطوم – تقرير خاص

لم تعد الأزمة السودانية مجرد صراع داخلي بين أطراف متنازعة على السلطة والنفوذ، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ملف إقليمي شديد التعقيد تتداخل فيه الحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية لعدد من القوى الإقليمية المؤثرة. ومع استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية، برزت أدوار متعددة لدول الجوار والقوى الإقليمية، ما جعل المشهد السوداني ساحة لتقاطع المصالح والمبادرات المتنافسة.

ويرى مراقبون أن تعدد الفاعلين الإقليميين، واختلاف رؤاهم تجاه مستقبل السودان، أسهما في خلق واقع سياسي معقد، انعكس بصورة مباشرة على جهود الوساطة والتسوية، وأدى في بعض الأحيان إلى إبطاء فرص التوصل إلى حلول دائمة تنهي الحرب وتعيد الاستقرار إلى البلاد.

تباين المصالح الإقليمية يفرض واقعاً جديداً

تتعامل الدول الإقليمية مع الأزمة السودانية من منطلقات مختلفة ترتبط بمصالحها الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية. فموقع السودان الجغرافي يجعله حلقة وصل بين شمال أفريقيا والقرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر، وهو ما يمنحه أهمية خاصة في حسابات العديد من العواصم الإقليمية.

وتنظر مصر إلى السودان باعتباره امتداداً لأمنها القومي وركيزة أساسية في ملف مياه النيل والاستقرار الحدودي، بينما تركز المملكة العربية السعودية على حماية أمن البحر الأحمر وضمان استقرار الممرات البحرية الحيوية، إلى جانب رعاية جهود الوساطة السياسية بين الأطراف السودانية.

أما تركيا، فقد حافظت خلال السنوات الماضية على شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والسياسية داخل السودان، مستفيدة من الروابط التاريخية والمصالح المشتركة، في حين تسعى قطر إلى المحافظة على حضورها في الملف السوداني عبر الأدوار السياسية والإنسانية التي اضطلعت بها خلال مراحل سابقة من عملية السلام.

ويشير محللون إلى أن هذه المصالح المتباينة لا تعني بالضرورة وجود صراع مباشر بين هذه الدول، لكنها تعكس اختلافاً في الأولويات والوسائل المستخدمة للتأثير في المشهد السوداني، الأمر الذي أدى إلى ظهور مبادرات متعددة ومسارات تفاوضية متوازية لم تنجح حتى الآن في إنتاج تسوية شاملة ومستدامة.

تعدد المبادرات وتحديات الوصول إلى تسوية شاملة

أدى تعدد الوسطاء والجهات المنخرطة في الملف السوداني إلى بروز تحديات إضافية أمام جهود السلام، إذ شهدت الأزمة خلال مراحل مختلفة إطلاق عدد من المبادرات الإقليمية والدولية التي سعت إلى وقف إطلاق النار وإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار.

غير أن اختلاف المرجعيات السياسية وتباين الرؤى بشأن مستقبل الحكم في السودان أسهما في إضعاف فرص توحيد الجهود، كما منحا الأطراف المتحاربة مساحة أوسع للمناورة السياسية والاستفادة من التباينات القائمة بين الجهات الراعية للمفاوضات.

ويرى خبراء أن غياب إطار إقليمي موحد للتعامل مع الأزمة جعل العديد من المبادرات تعمل بصورة منفصلة، الأمر الذي حدّ من فعاليتها وأدى إلى تكرار الجهود بدلاً من تكاملها. كما أن استمرار الحرب عمّق المخاوف من تحول السودان إلى ساحة تنافس إقليمي مفتوح، تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية.

وفي المقابل، يؤكد مراقبون أن أي تسوية مستقبلية لن تنجح ما لم تحظَ بدعم إقليمي واسع يقوم على احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، مع منح الأولوية لمصالح الشعب السوداني على حساب الاعتبارات السياسية الضيقة.

ومع دخول الأزمة عامها الرابع، تتزايد الدعوات إلى تنسيق إقليمي أكثر فاعلية يركز على إنهاء الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، باعتبار أن استقرار السودان يمثل عنصراً أساسياً لاستقرار المنطقة بأكملها.

ويجمع متابعون على أن مستقبل السودان سيظل مرتبطاً بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على تجاوز خلافاتهم وتوحيد جهودهم خلف رؤية مشتركة تدعم السلام والاستقرار، وتمنح السودانيين الفرصة لبناء دولة مستقرة قادرة على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة بعيداً عن الاستقطابات والصراعات الخارجية.

اقرأ ايضا

saqraljidyanews.com/?p=519869https://saqraljidyanews.com/?p=520186

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى